الرئيسية > رأي عام > مقالات > وَداعًا مامادو… كلُّنا نحبُّك
رشيد سعدي (المغرب)

وَداعًا مامادو… كلُّنا نحبُّك

الإثنين ٢٠١٨/٨/١٣م   |   ١٤٣٩/١٢/٢ هـ

كنتُ بصدد كتابة مقالي الجديد، حين تلقَّيتُ اتِّصالًا من الأب أنطوان راعي الكنيسة الكاثوليكية بمدينة وجدة في المغرب، وهو في حالة تأثُّر بالغ، يَنعَى إليَّ الشابَّ مامادو ذا الخمسة عشر ربيعًا، الذي غرق في شاطئ السعيدية في الثاني من شهر تموز/يوليو. قرَّرتُ أن أخصِّص هذا المقال لمأساة المهاجرين السِّرّيِّين بحثًا عن سراب “الجنَّة الموعودة”، مأساة أصبحت –يا للأسف- جزءًا “مبتذَلًا” من حياتنا. أتساءل: كيف يمكن للأديان والمؤمنين أن يساهموا في استمرار الإنسانية داخل هذه المأساة، التي تستفحل أمام أعيننا؟

وصل الفتى الغِينيُّ المسلم مامادو إلى مدينة وجدة منذ حوالي سنة، وآوَتْهُ الكنيسة وتكفَّلَت بتأهيله مِهنيًّا، في انتظار أن يرجع إلى بلده أو يستمرَّ في طريقه نحو أوروبَّا. جمعَته علاقة إنسانية عميقة بالأب أنطوان، الذي كرَّس جزءًا من حياته لخدمة المهاجرين العابرين لهذه المدينة الحدودية. خلال رحلتهم، الكثير منهم وخصوصًا النساء والأطفال، يعيشون معاناة قد تمتدُّ لأيام وأشهر. أصبحوا بلا وطن، وقد يَظَلُّون سنوات وهم في حالة “عبور” وتِيهٍ.

تحوَّلَت الكنيسة إلى فضاء لـ”الرَّحابة الإلهية”، تَمنح هؤلاء العابرين بعض المواساة وتتكفَّل بعلاجهم، فضلًا عن التدخُّل لإطلاق سراح العشرات منهم من رهائن تجار البشر. في الكثير من الأحيان كان عدد العابرين المسلمين يتجاوز عدد المسيحيِّين؛ ما اضطَرَّ الأبَ إلى إعداد قاعة للصلاة في فضاء الكنيسة وتجهيزها. مِرارًا أكَّد لي أنّ عيش الآخرين لإيمانهم وإنسانيتهم، هو الطريقة الوحيدة كي يعيشوا إيمانَهم بحقٍّ.

كان مامادو يَحلُم بشيئين: أن يَلمس بيديه الرمال الذهبية في عمق البحر، وأن يرتحل إلى الضفَّة الأخرى. في ذلك اليوم حقَّق حُلمه الأول، إذِ ابتلعه تيّار مائيّ عنيف، لكنه لم يَبْقَ حيَّا كي يحقِّق حُلمه الثاني. هرب من الموت والفقر في بلاده، إلى الموت بعيدًا عن أهله. كان مستحيلًا نقلُ جثمانه إلى بلاده. تكتشف هنا أن الأصعب ليس هو الموت، بل ما بعد الموت. لا أقصد رحلة الروح، بل رحلة الجسد ونقله إلى الوطن الأصلي.

اِجتمع أصدقاء مامادو في المقبرة، مسلمين ومسيحيِّين، بعد أن وُوري الثَّرى. تَلَا الإمام بعض الآيات والأدعية الأخيرة مؤكِّدًا أنه {وما تَدْري نَفْسٌ بأيِّ أرضٍ تَمُوت}، لكن الله حاضر في كل مكان. تقدَّم الأب وألقى كلمة بسيطة: “هنا توقَّفَت أحلام صغيري مامادو. أرجو أن يجعل الله له مكانًا في رحمته ومَلكوته”.

أمام الموت تتراجع الاختلافات والحدود العقائدية، كي يبقى جوهر العقائد وعقيدتها: حُبُّ الإنسان لأخيه الإنسان. لكن المأساة أكبر من مامادو الصغير، إنها مأساة المعذَّبين الجُدد في الأرض، مأساة الهجرة القسرية التي تحوَّلَت إلى ظاهرة كَونيّة، تَصنع عَولمة المعاناة أمام تزايُد الجدران العازلة ومعسكرات الاحتجاز، خوفًا من غزوات “البَرْبر”. فتحَوَّل البحر إلى مقبرة مائيّة بَشِعة.

كلُّ ذلك يُسائل ضمائرنا كمؤمنين. ومع أهمية ذلك، فإن أسئلة الأبديَّة والخلاص تُصبح ثانويَّة. لا يتعلق الأمر فقط بالسؤال: “كيف نواجه الموت بالإيمان؟”، بل بِـ”كيف تُعيد الأديان إلى الحياة معناها، حينما يكون الإنسان مجال الإيمان المشترك؟ وكيف نَدخل كلُّنا في عهد جديد مع الرب، عهد التعاطف والتراحم كي نتفادى خطيئة الخطيئات، ألا وهي نسيان الإنسان، فَنُواجِه “فجوة التعاطف”، أي التعامي عن المآسي التي تُصنع أمام أعيننا”؟

في إعلانٍ مشترَك حول إحدى أكثر الأزمات الإنسانيّة خطورة منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، ناشد قداسة البابا فرنسيس أتباعَ المسيح أن يخرجوا من سُبات اللامبالاة ويستلهموا كلمات الرب: “لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني… كُنتُ غَريبًا فآويتُموني… مَريضًا فعُدتُموني، وسَجينًا فجِئتُم إِلَيَّ… الحَقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئًا مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه”. في كنيسة وجدة تَحقَّق بعضٌ مِن حُبِّ المسيح لهؤلاء “الصِّغار”، وأنا أدعو إخوتي المسلمين ليَستلهموا كذلك قوله تعالى مخاطِبًا ابْنَ آدَمَ: “أمَا عَلِمْتَ أنّ عبدي فُلانًا مَرِض فلم تَعُدْهُ؟ أمَا عَلِمْتَ أنك لَوْ عُدْتَهُ لوجَدْتني عنده؟”. في مدينة وجدة مئات المساجد، أحلُم أن تُصبح يومًا ما أمكنةً للرَّحابة الإلهية، ليس فقط بُيوتًا لله، بل أيضًا بُيوتًا لِعباد الله.

أدعو بصدق كلَّ من قرأ هذه الكلمات، أن يُصلِّي مِن أجل الصغير مامادو، ومن أجل عائلته البعيدة عن جسَده الصغير. وأقول: فليرحَمْك الله مامادو، وجزاك الله خيرًا أب أنطوان، وجعَلَنا جميعًا ممَّن {آمَنُوا وتَوَاصَوْا بالصَّبر وتَوَاصَوْا بالمَرْحَمَة}!

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه/كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع "تعددية".

يمكن إعادة نشر المقال شرط ذكر اسم الموقع مع اسم الكاتب ورابط المقال (في حالة المواقع الإلكترونية)، أو التواصل مع إدارة الموقع.