الرجوع

أسئلة إلى أتْباع الثَّورة المضادَّة

الخميس

م ٢٠١٩/١١/٢٨ |

هـ ١٤٤١/٠٤/٠١

أفهَمُ دون أن أقْبَل أو أَعذِر، مَوقفَ السِّياسيِّ الَّذي مات ضميره على فراش التَّسلُّط على النَّاس، وعلى وسادة الأموال السَّهلة الَّتي تَدخل حساباتِه من خَيرات الوطن، ومدَّخرات الشَّعب المُجاهد لأجل حياة كريمة. إنَّ السِّياسة بالنِّسبة إلى هؤلاء، لم تعُدْ سوى وسيلةٍ إلى عبور الأموال، من جيوب المواطنين وخزائن الدَّولة إلى حساباتهم الشَّخصيَّة والعائليَّة، وآليَّةٍ لفرض سطوَتهم على النَّاس، عبْر المَواكب السُّود المُخيفة وعضلات المُرافقين، وأسلحتهم الموجّهة لا نحو الخارجين على القانون، بل نحو المتجرّئين على السُّؤال عنه.

أفهَمُ دون أن أقْبَل أو أَعذِر، مَوقف المشاركين في فساد السِّياسيِّين، وهُم مِن عناصر فريقهم السِّياسيِّ من نُوَّاب ووُزَراء ومُديرِين وإعلاميِّين ورجال أعمال ورجال دين؛ -ويا للأسف- لوجود بعض من هذه الفئة أيضًا في حاشية الفاسدين. فالإنسان ضعيف، وقد يقود ذلك بعضَ النَّاس إلى بؤس الاستزلام لدى متسلّط، ليصبحوا جزءًا من "عدّته" -كما يقولون-؛ بغْيَة الحصول على حفنة من الأموال الزَّائلة، وبعضٍ من مجد الوجاهة الزَّائفة.

مع ذلك لا أفهم، وقد أبحث عن عذر مؤقَّت إلى حين اهتداء هؤلاء، الَّذين يريدون الوقوف سدًّا منيعًا أمام الثَّورة القائمة من أجل إسقاط الطَّائفيَّة والفساد والاستبداد، بهدف بناء وطن يكُون أرضًا للحقِّ والكرامة لكلِّ إنسان. فيَستبسل أتْباع الثَّورة المضادَّة، في الدِّفاع عن قيادات فاحت رائحة فسادها في المَلأ، وهُم أوَّل مَن يعاني نتائجَ هذا الفساد، مَثلُهم كمَثل سائر المواطنين، لا بل أكثر.

لقد كتب الأب ميشال حايك في سنة 1969 تحت عنوان "رسالة إلى بني جيلنا"، كلامًا يؤلمني أن أراه لا يزال بعد خمسين عامًا ينطبق على أحوالنا الرّاهنة التَّعيسة، وعلى الكثيرين من الَّذين يجعلون من أنفسهم حَطبًا رخيصًا في مَوقِدة الفاسدين. فيقول: "هؤلاء الَّذين طمعوا بمَقعد أو بوزارة أو رئاسة، لعبوا لعبة الطَّائفيَّة أو العشائريَّة أو الاستعماريَّة، فنقَرُوا على الأوتار الحسَّاسة، فدُقّت الطُّبول الفارغة وصَفَّقت الأيادي العاطلة، وصرخنا: يا للعدوِّ! يا للاستعمار! وتَهوَّس الشَّعبُ المسكين المخدوع، فكسّر معالم المدَنيّة في المدينة. ثمَّ عاد إلى بيته جَوعانَ، وهو يلعن نفسه لاستسلامها لغريزة الحيوان، ويلعن محرّضيه المُغْرِضين على أن يَعُود للتَّزلّم والتَّزلّف لهم في اليوم التَّالي. فكلُّ مَن خَدع الشَّعب بمثل هذه الألعاب، له حسابه من الشَّعب نفسه يوم يستفيق المخدوع من سُباته، فيَدكُّ الأصنام التي عبَدها. وقد يكُون جاء اليوم -أو هو قريب- فيه يحاسِب الشَّعبُ حكَّامَه، الَّذين تَعاقَبوا على مقدَّرات هذه الدِّيار الغنيّة بكنوزها الإنسانيَّة، فسرقوا الكنوز وأفسدوا الدِّيار".

-هل حقًّا جاء هذا اليوم، الَّذي يستفيق فيه هؤلاء المخدوعون من سُباتهم، فيتحرّرون من تَزلّمهم وتَزلّفهم؟

-لماذا لا يزال بعضٌ منهم يجعل من نفسه أداةً وقحة بِيَد مَن يستغلّه، ليستمرّ في استغلال الآخرين؟

-إلى ماذا يهدف ذلك الَّذي "يكسّر مَعالم المدَنيّة في المدينة"، ثمَّ يعُود إلى بيته جَوعان؟

-ألم يَعْلم بَعْدُ هؤلاء، أنَّ الإنسان يرتقى نحو ذاته الإنسانيَّة، في اندماجه في المجتمع على قواعد: رفض العنف، والإيمان بالحقِّ والخير العامِّ، والتَّضامن مع الآخرين، وقبول الاختلاف، والاحتكام إلى الحوار العقلانيِّ والمؤسَّسات لحلِّ الخلافات؟

-ألم يدرك بَعْدُ هؤلاء، أنَّ الفساد السِّياسيَّ الَّذي يَمنع قيام دولة الحقِّ والعدل، قد مسّ كراماتهم، وأفقَدَهم -كما أفقَدَ سائر المواطنين- حقوقَهم الاجتماعيَّة (المَسكن والمأكل والطّبابة والتَّربية والعمل والبيئة المستدامة)، والمدنيّة (حرِّيَّة الفكر والمعتقَد والتَّعبير والتَّجمّع والتَّظاهر للدِّفاع عن الحقوق ونصرة المظلومين)، والثَّقافيَّة (التَّعبير عن الخصوصيَّات الثَّقافيَّة والإبداع العلميِّ والفنِّيِّ والأدبيِّ)، والسِّياسيَّة (المشارَكة في الحياة الدِّيمقراطيَّة ومحاسَبة المسؤولين بفضل الشَّفافية والوصول إلى المعلومات)؟

-ألم يَرَوا بَعْدُ ويدركوا، أنَّ الثَّائرين والثَّائرات على الفساد والاستبداد، إنّما يثورون لخيرهم مِثلما ثاروا لخير أنفسهم ولمستقبل أولادهم المشترَك، حيث إنّ المصلحة العامَّة لا تنقسم، ومفاعيلها تكُون لجميع أبناء الوطن، وأنَّهم يُغالون في الدِّفاع عن "زعماء" -أَإِلْكترونيًّا كان أمْ عضلاتيًّا- يدّعون حمايتَهم وتوفيرَ الحدِّ الأدنى من مصالحهم، ثمّ إنّهم في المقابل، يَقضون على مستقبلهم، ويَسخرون من عقولهم، ويَحطّون من كراماتهم؟!

-هل التَّابع المستَزْلِم للزَّعيم يجد نفسه في حلقة مغلقة، فيرى ذلّه ويبقى هاربًا بالتَّبعيّة من ذاته، خشية أن ينظر إلى عُرْيها؟

مع كلِّ هذه التَّساؤلات، يبدو لي أنَّ أصْعَبَ مهمَّة للثَّورة وللثُّوَّار، هي لا فقط أن يُسقطوا الفاسدين وينتصروا على استبدادهم، بل أن يحرّروا كلَّ مَن وقع في شَرَكِهم، ويُعِيدوا الكرامة لهم، فيُعِيدوهم إلى ذواتهم، وإلى حضن الوطن الجامع؛ لأنّ الثَّورة الحقّة ليست فِعل غلبةٍ وإقصاء، بل هي فِعل تَجدُّد وحياة، وإنْ عبَرَت بمخاض الألم. إنّها انتصار على الظلم من أجل الجميع.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive