الرجوع

خواطر ماركس وأم سيِّد

الثلاثاء

م ٢٠١٧/٠٥/٠٩ |

هـ ١٤٣٨/٠٨/١٣

هزمَتنا الأهرام الطبقية. تَغلَّب علينا رفض التعددية الطبقية. صرعَنا الرفض العاتي بضربات قاضية متتالية، لم تترك الفقير راضيًا بـ"عش عصفورة يكفيه، ولقمة صغيُّورة تهنِّيه"، ولم تدَع الغني ممتنًّا لحياة رغدة هانئة. حتى حياة الـ"كومباوند" المغلق على ناسه، والمقتصر على قواعد لعبة الأثرياء، لم تعد تسعده أو ترضيه. وبالطبع، كلتا الطبقتين آخذتان في هرس ودهس ما بينهما من طبقة مندثرة متآكلة، كانت قبل سنوات معرضة للانقراض؛ فإذْ بها تتحول إلى سلالة نادرة، يجاهد من بقي منها على قيد الحياة من أجل البقاء. فهو ممسك بتلابيب حدود طبقته، التي تتآكل وتتحلل منذرة بارتطام عنيف، على خط الفقر الرابض في قاعدة الهرم.

المدن العربية الكبرى تنضح بأهرامات طبقية وَجِلة. تفاصيل حياة سكانها، تقول الكثير عما أصاب قدرتنا على استيعاب التعددية الاجتماعية. وجود سكان قاعدة الهرم الطبقي يهدد المرابطين عند قمته. لسان حال عقلهم الباطن يتمنى لو ضربت سكان القاعدة صاعقةٌ فتاكة، أو باغتتهم مصيبة عاتية تقضي عليهم، ليَسْلموا من عيونهم المتطفلة، وتطلعاتهم الحاسدة، وأمنياتهم التي تحلم بزوال النعمة من غيرهم. واستمرار أهل القمة في أبراجهم العليا، يؤرق ويستنفر الرابضين في الطوابق الدنيا. غاية المنى وكل الأمل، أن يستيقظوا ذات صباح وقد آلت إليهم ممتلكات سكان القمة، وحساباتهم المصرفية وقدراتهم المادية، ما ظهر منها وما بطن. ويبقى سكان منتصف الهرم الملقبون بـ"الطبقة المتوسطة"، والذين يجدون أنفسهم وقد خارت قواهم وأُنهكت قدراتهم. فهم يوشكون على الارتطام بأهل القاعدة، وسبق ذلك فشلٌ كبير في الانتساب إلى أهل القمة. تزداد نقمتهم، وتتفاقم محنتهم، بعدما ضاعت هويتهم، وأصبحوا -بحسب المثل الشعبي- كمن رقصوا على السلالم، فلا رآهم من فوقهم، ولا سمعهم من تحتهم، فماتوا بحسرتهم.

صحيح أن كارل ماركس لم يسهب كثيرًا في الحديث عن المشكلات الحياتية اليومية لسكان قاعدة الهرم، وطموحاتهم الجياشة، إلا أن "أم سيِّد" تعوض النقص على مدار الساعة. فهي لا تفوِّت فرصة إلا وأشارت وأطالت وأسهبت في الحديث عن الطبقة "إللي تحت"، والتي لا يشعر بها أحد، لا حكومة، ولا رئيس، ولا مَن يحزنون. وفي كل مرة لا يفوتها أن تذيل حديثها بدعاء على "الناس إللي فوق"، المتقوقعين في منتجعاتهم السكنية، المتكتمين على ثرواتهم الطائلة، الممتنعين عن مد يد العون لها لتنعم بـ"يومين حلوين" مثلهم، مع جملة قاسية مفادها تمنِّي زوال نعمهم، وتبدُّد أموالهم، وتشرد أبنائهم وأسرهم، ليذوقوا مرارة العيش في قاعدة الهرم، حيث المجتمع اللاإنساني.

المجتمع الإنساني الاشتراكي، المنزوع الفوارق الطبقية والفروق المالية، الذي حلم به ماركس، تحلم به أيضًا "أم سيِّد" التي تتحدث عنه على الملأ، وهو الحديث الذي يجعلها متحدثًا شعبيًّا باسم كارل ماركس. لكنها تتحدث حديثا آخر بصوت منخفض، وقلب منفتح عن انقلاب في الهرم الطبقي، يسفر عن تحولها من عاملة بسيطة إلى سيدة أعمال عظيمة، تنتمي إلى طبقة "برغوازية" (برجوازية) عتيدة، تفرض سطوتها، وتهيمن على مظاهر الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

"البرغوازيون" على الجانب الآخر، لا يطيقون مجرد النظر إلى "أم سيِّد" وأقرانها. مدام شاهيناز تسميهم "الرعاع"، وسلوى هانم تلقبهم بالسُّوقَة والدهماء، وتوافقهما الرأي مدام عنايات، التي تحكي للمرة الألف بعد المليون عن الفستان الذي ارتدته "إيرما كابات" مغنية الأوبرا الشهيرة، وصديقة الملك فاروق في حفلة الأثرياء وكبار رجال الدولة، قبل سنوات وعقود. إنه الفستان الذي يقف على طرف نقيض مع أزياء العاملات السوقية، وإكسسواراتهن الرخيصة، وألوان فساتينهن الرديئة. وكالعادة، لا تشعر الأستاذة باكينام، أو المهندسة شاهيناز (من سكان منطقة الوسط)، بانتماء إلى موقف "أم سيد" الحاقد على سكان القمة، والمتمني زوال نعمتهم واستقرارها لدى أهل القاعدة، كما لا تتفاعلان وسَرْد مدام عنايات عن عصور مخملية، وأسر ملكية.

إنها التعددية الطبقية، التي لم يعد أحد يجرؤ على مجابهة رياحها الثقيلة، بملحمة التكافل الاجتماعي، أو أسطورة التعاضد الإنساني. كما لم يعد هناك الكثير من الأصوات الأفلاطونية، والجهود الملائكية، التي كانت تملأ الدنيا صخبًا لذيذًا، ووهمًا جميلًا، اسمه الغني يحتضن الفقير، والفقير يمتنُّ للغني، وبين البينَين يسعد بكونه وسطيًّا حيث الرضا بالمقسوم. لقد باتت التعددية الطبقية صداعًا في رؤوس الجميع، حيث يرفض الجميع الجميع، ويئنُّ الهرَم بسكانه المتناحرين، وإن ظلوا ساكنين ساكتين، حالمين بيوم لا يحتوي فيه هرمهم إلا فصيلاً طبقيًّا واحدًا.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive