الرجوع

قراءة أيزيديَّة للخِطاب الديني

السبت

م ٢٠١٨/٠٩/٠١ |

هـ ١٤٣٩/١٢/٢١

قد لا يختلف اثنان في مدى تأثير الخطاب الديني، وآراء رجال الدين، في تحديد توجُّه المجتمعات، ولا سيَّما المجتمعات المتعلِّقة بالدين، كالمجتمع العراقي.

في المجتمعات الشرقية، وبالأخصِّ في الدول التي يلعب الدِّينُ فيها دورًا كبيرًا، انتشرَت ظاهرة استخدام الدِّين لأغراض سياسية. وفي منطقتنا، أصبح الدِّين أو المذهب هو العلاقة العابرة للحدود والسُّلطات، والعلاقة العابرة للعلاقات الدِّبلوماسية أيضًا. فعندما تَفرض دولةٌ عقوباتٍ على أخرى، تَجِد دولةً ثالثة -وبِحُكم علاقات دينية أو مذهبية- تذهب إلى نجدة دَولتِها التَّوْأَمَةِ دينيًّا أو مذهبيًّا، بغضِّ النظر عن المصلحة العُليا للبلاد، أو عن تأثُّر علاقاتها الدِّبلوماسية بالدولة الفارضة للعقوبات، حتى وإنْ كانت ضد مصالح شعبها بمختلف أطيافه.

من ناحية أخرى، فإن بعض القادة يَلجأون إلى استخدام الدِّين أيضًا كوسيلة إلى خداع الشعب، أو إلى إقناعهم بإمكانية مجابهة القيود الاقتصادية والأزمات السياسية بسلاح الدِّين. وفي حالات أخرى، يَلجأ بعض القادة الدِّينيِّين إلى استخدام الرُّموز الدينية من أجْل مَآربهم، حيث فعَلَها قبل أيام أحد رجال الدين، مِن خلال حسابه على مدوَّنة التغريدات القصيرة تويتر، مُدَّعيًا أنه رأى في حُلمه أحد الأنبياء حزينًا، وفي يده كيس من النقود. وعند التمعُّن فيها وجدَها ليرات تركيّة، فدعَا المواطنين إلى نجدة إخوانهم في تركيا، مُتجاوِزًا بذلك سُلطة دولته وحدودها.

كل هذا الاستخدام للدين، قد يؤثِّر في المجتمع أو الشعب على الأمد البعيد. ولكن الخطاب الديني والمَنابر الدينية، هي التي يجري استغلالها في نشر خطاب متعصِّب، يؤدِّي إلى زعزعة السِّلم المجتمعي والاستقرار بشكل مباشر، ومِن ثَمَّ انعدام السلام.

إذًا، لماذا لا يجري بَلوَرة ذلك الخطاب ليكُون بنَّاءً، بدلًا من أن يكُون خطابًا هدَّامًا؟ ففي إقليم كوردستان مثلًا، هنالك رَقابة حكوميّة على الخُطَب الدينية، ويجري تحديد مواضيع تلك الخُطب، لِيَحصُل بذلك الحدُّ من الخطاب المتشدِّد المُعنِّف، أو المؤدِّي إلى الكراهيَة، مع وجود بعض الحالات التي تتضمَّن نوعًا من التعصُّب، أو التقليل من شأن الحرية الدينية، وذلك بالتوازي مع نشْر مَقاطع فيديو في بعض الأحيان لبعض رجال الدين، على مواقع التواصل الاجتماعي، تُسهم في نشر خطابات كراهية، دون أيِّ مساءلة أو محاسبة.

ولكن، على بُعد مسافة قصيرة من مُحافظات الإقليم، في محافظة نينوى، كان الخطاب الديني متشدِّدًا، ويدعو في معظمه إلى التمييز الديني والمذهبي، ووصْف المذاهب الأخرى بالمُرتدَّة، والأديان الأخرى بالكافرة، والحكومة بالوَثنيَّة، وما إلى ذلك؛ فكانت النتيجة ما آلَت إليه الأوضاع من ظهور الإرهاب الداعشي، ومِن ثَمَّ دمار المدينة، وانعدام أبسط مقوِّمات السِّلم المجتمعي والعيش المشترَك.

أمَّا على صعيد دَور رجال الدين في تعزيز السِّلم المجتمعي، فإنه مع تعرُّض الأقلِّيّات في العراق إلى جرائم بشعة على أيدي تنظيم داعش، لم يُظهر أغلب رجال الدين في العراق تعاطُفًا وتضامنًا بمستوى حجم الحدث، ولم تكن هناك دعواتٌ إلى نجدتهم، أو إطلاق فتاوَى دينية لتحريم دَمِهم، باستثناء موقف المَرجِعيّة الدينية للمذهب الشيعي السيد علي السيستاني، ورجال الدين في بعض مناطق إقليم كوردستان، الذين دَعَوا إلى فتح أبواب الجوامع أيضًا أمام إخوانهم من الأقلِّيّات، وكذلك مواقف بعض المراكز الدينية كالأزهر ودار الإفتاء الأردنية، في تحريم الدم الأيزيديّ مثلًا.

أمّا في الداخل الأيزيدي، فكان دَور المجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى، ورجالِ الدين الأيزيديِّين، دورًا إيجابيًّا في احتواء الأزمة، وبَلوَرة الخطاب من أجل السلام والسِّلم. ففَتْوَى الأب الروحي للأيزيديِّين والمجلس الروحاني الأيزيدي الأعلى، كانت دافعًا قويًّا إلى تقبُّل المجتمع الأيزيدي للناجيات الأيزيديَّات، بعد تحرُّرهنّ من قبضة داعش، حيث أُرغمْنَ على تحويل ديانتهنَّ عَنْوَةً، وتعرَّضْن للسَّبْي والاغتصاب.

إن للخطاب الديني دورًا مهمًّا، في تحديد مَسار عمليّات السلام والاستقرار. لذلك، ففي إمكان رجال الدين في العراق، الإسهام في نشر الوعي والخطاب الديني السليم، الذي يمكن أن يؤدِّي إلى تحقيق العدالة الانتقالية مثلًا في المرحلة القادمة، التي بدونها لا يمكن أن يُؤْمِن المجتمعُ بعودة حياة مستقرَّة، وسِلْمٍ مجتمعي مَبنيٍّ على أُسُس دائمة ومستمرّة.

ثمّ إنّ الدولة، في إمكانها تكثيف جهودها للحيلولة دون انتشار الفكر المتطرِّف والخطاب المتعصِّب، وذلك من خلال برامج وخطط طويلة الأمد، تَهدف إلى وضع مصلحة البلد بمختلف الأطياف، فوق المصلحة الفئوية، التي تقلِّل من شأن الدولة السياسي والدِّبلوماسي.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive