الرجوع

لماذا الخوف من تجديد الفكر الديني؟

الثلاثاء

م ٢٠١٨/٠٧/١٧ |

هـ ١٤٣٩/١١/٠٥

كثيرون هُم الذين يرَون في تجديد الخطاب الديني صِيغة مشبوهة، تسعى إلى تحوير الدين وتحريف معانيه. وتَطلُع علينا بين الحين والآخر مقالات ذات صِبغة تحريضيّة، ترى في التجديد خطرًا على الإسلام، واستِرضاءً للغرب، و"صِيغة مبطَّنة للرِّدَّة والخروج من الدِّين"!

يجب أن نَذكر بدايةً أنّ معارضة الحركات التجديديّة والتشكيك فيها، يُمثِّلان ظاهرة عامة في تاريخ الفكر الديني، ولا يختصَّان بالمجتمعات الإسلامية. يَشهد على ذلك المعارضة الشديدة للفكر التجديدي، الذي نادى به مارتن لوثر وموسى مندلسون، في المسيحية واليهودية.

يَحُول اعتقادُ كثيرٍ من أَتباع الأديان اكتمالَ دينِهم وتمامَه، دون فهم مشروعيّة التجديد، كذلك يَحُول القول بوجود نماذج كاملة وجاهزة للتجديد، حسبما يظنُّ بعض أدْعِياء التجديد، دون فهْم خصوصية الأنماط الدينية وسِياقاتها الثقافية.

ما يزال مفهوم التجديد، ملتَبِسًا في أذهان كثير من خصومه. فلا يميِّز هؤلاء بين الدعوة إلى تجديد الفكر الديني، وتجديد الدين ذاته. ويرجع السبب الأساسي في ذلك إلى مشكلة أعمق، تتمثَّل بعدم التفريق بين مفهومَي الدِّين والتَّديُّن. ومن أسباب الْتِباس تَداخُل الحديث بِتجديد الفكر الديني، في موضوع الإرهاب، ووَسْم الإسلام به، ذَهابُ بعض الكُتَّاب الرافضين للتجديد، إلى الاستدلال بالجرائم التي تُرتكب ضد المسلمين، لتبرير رفضهم للتجديد.

الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني بمعناه العميق، تَستبطن في أحشائها دعوةً أخرى لتجديد الخطاب السياسي السائد. ومن هنا، نُدرك سبب خوف بعض النُّظم السياسية، التي تتَّخذ أنماطًا محدَّدة من الفكر الديني أساسًا لكِيانها السياسي. ولا يجوز هنا أن نُغْفِل الأثر السَّلبي لعمليّات التجديد "المُسيَّس" للفكر الديني، والتي تقُوم بها بعض الأنظمة السياسية التي تَملك المال والإعلام، وتسعى لكسب رهانات إقليمية هنا أو هناك.

الخوف من التجديد بدعوى الحفاظ على الثَّوابت، يقابله في المَقلب الآخر وُجود مشكلة في مصداقيّة بعض أدْعِياء التجديد، وخاصة هؤلاء الذين يَخُوضون في نقد النصوص بعيدًا عن مراعاة المعارف اللازمة في الدراسات الدينية.

التجديد بمعناه الصحيح يسعى إلى مراجعة التراث الديني وفهمِه وتحليله، في ضوء المعارف العِلميّة المعاصرة، ولا يستهدف بالضرورة -أو بِقَرار سابق- نَقْدَ الثوابت العامة للدين. وفي مقابل ما يمكن تسميته الانفلات من الضَّوابط لدى بعض دعاة التجديد، نَجِد "تَضخُّم الثَّوابت"، الذي يوشك أن يجعل التراث الديني كلَّهُ بمنزلة المعلوم من الدين بالضرورة.

ليس التجديد مجرّد رغبة جامحة نحو التغيير؛ وإنما هو نتاج لِرؤيَة منهجيَّة تستوعب شروط التغيير، وتراعي البُنْيَة النفسية والثقافية للمجتمعات. وفي هذا السِّياق نستحضر قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة: "لولا حَدَاثةُ عَهدِ قَومِكِ بالكُفر لَنَقَضْتُ الكَعْبة، ولجَعَلْتُها على أساسِ إبراهيم" (رواه مُسْلم). فالنبيُّ ذاتُه قد راعى تَعارُض عمليّة التغيير -رغم صوابيَّتها الدينية-، مع ثقافة المجتمع القُرَشِي في مكة. وهذا يعني أن صحة المضمون الفكري للتجديد الديني، لا تكفي لإحداث التغيير دون مراعاة الشروط الموضوعيّة للمجتمع.

لا بد من تفهُّم المَخاوف، التي تنتاب عوامَّ المتديِّنين تجاه مسألة التجديد. وفي ذات الوقت، يجب التصدِّي لاستغلال تلك المَخاوف من قِبل اتِّجاهات حزبيّة أو نُظم سياسية، تتَّخذ من الدفاع عن الدين وسيلةً لنيل المنافع والمكاسب.

تجديد الفكر الديني ليس مجرَّد شأن ديني فحسب؛ وإنما يمثِّل حلقة من حلقات النهوض الحضاري، الذي يرتقي بالمجتمعات ويُسهم في تقدُّم الدول. وهذا يتطلَّب تعزيز قناعة المجتمعات بأن التجديد يمثِّل ضرورةً داخلية، وليس إملاءً مفروضًا من جهات خارجية. وفي تأكيد أهمِّيّة التجديد في السِّياق الإسلامي، ومشروعيَّتِه، لن نجد نصًّا أكثر عُمقًا من الحديث النبوي القائل: "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهذه الأُمَّة على رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لها دِينَهَا" )رواه أبو داود).

إنّ إرضاء الانفعاليَّة الشَّعبَويّة التي يقوم بها بعض الكُتّاب والصَّحفيِّين، يمثِّل انتكاسة في معالجة مشكلاتنا الدينية والدنيوية، ولن يُجدِي نفعًا أمام الضرورات المعرفية والعملية المُلحَّة، التي تَدفع المجتمعات نحو مراجعةٍ ناقدة لتراثها الديني الإنساني.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive