الرجوع

لماذا نكره الآخر؟

الأربعاء

م ٢٠١٧/١١/١٥ |

هـ ١٤٣٩/٠٢/٢٦

نحن نولد متعايشين، متحابين، متقبلين الآخر بكل اختلافاته، إلى أن يعلِّمنا الكبار الكره، والتطرف، والعنصرية، والطائفية. الكراهية تعريفًا هي الحقد، المقت، الغضب، "مشاعر سلبية يصاحبها نفور وعداوة مع رغبة في التمييز ضد الآخر المكروه"، وفي أسوأ الحالات التخلص منه. ويصوِّر أرسطو الكراهية على أنها الرغبة في تدمير الكائن المكروه، في حين يقول ديفيد هيوم إن الكراهية تؤدي إلى تدمير الكاره والمكروه معًا، وللأسف هذ بالضبط ما يحصل في مجتمعاتنا.

لماذا نكره الآخر؟ ومَن هوالآخر الذي نكرهه؟ الآخر هو من يختلف عنا، سواء في الفكر أو الرأي أو اللون أو الجنسية أو الدين أو المذهب أو القومية. هذا المختلف نكرهه لأننا نجهله. فالإنسان عدو ما يجهل، وعندما يجهله يخافه، فيكرهه. إن معظم شعورنا السلبي تجاه الآخر يعتمد على صورة نمطية (في الغالب خاطئة) عنه. هي تصورات وأحيانًا إشاعات، وأحيانًا أفكار مسمومة زُجَّت عن عمد لتكريس التفرقة والعنصرية بين البشر. لذا، علينا أن نتعرف إلى الآخر ونحاول فهمه، ليس بالضرورة الإعجاب به أو قبول أفكاره، لكن التعرف إليه يعطينا صورة أوضح عنه، وربما نجده إنسانًا قويمًا جيدًا لا يستحق كل ذاك الكره. فالمعرفة أساس المحبة، كما هو الجهل أس الكراهية.

إن عدمَ قبول الآخر، وكرهه، ورفضَ العيشِ معه وقبولِ المختلف، أغرق مجتمعاتنا في مستنقعات من الكراهية والتفرقة والعنصرية والطائفية؛ ما أوصلنا إلى حمَّامات الدم التي تغتسل بها شعوبنا يوميًّا. ففي ظل العنف والإرهاب والصراعات الدينية والطائفية البشعة التي نعيشها في كل دولنا العربية، وبعد أن امتدت أيادي الإرهاب لتعيث خرابًا في الغرب أيضًا، وبعد أن ترسخت لغة قتل المختلف عنك لتحظى بِحوريّات الجنة، ليس لنا مُنقذ إلا مفاهيم العيش معًا، وقبول الآخر لتعزيز فرص السلام، وتجفيف منابع الدم التي تكاد تغرقنا. بَيْد أن الكثير من الناس يخلط بين مفهوم العيش معًا والتسامح، ويستخدم "التسامح" كمفهوم (طيِّب) لقبول الآخر المختلف. برأيي الخاص، أرى أنه جرَتْ ترجمة كلمة (Tolerance) التي تعني «تحمُّل»، خطأ إلى العربية، وتُرجمت إلى «تسامح»، في حين أن التفسير الصحيح للتحمل هو التساهل.

فمفهوم التسامح يعنى غفران خطأ ما، أو التساهل في حق اغتُصب منك، أو الصبر على من أساء إليك. فهل من العدل استخدامنا لعبارة التسامح مع الأديان أو المذاهب أو القوميات الأخرى؟ كيف لنا أن نتسامح مع من يختلف معنا؟ ولماذا؟ هل الاختلاف خطأ في حد ذاته؟ هل يُعتبر مَن اختلف عني في ديني أو قوميتي أو جنسيتي أو مذهبي، أو اغتصب حقًّا من حقوقي، مُذنبًا؟ المرء لا يتسامح إلاَّ مع مخطئ أو مذنب، وإن رضينا بمُسمَّى "تسامح"، فإننا بِقصد أو بدونه نفترض أن المتسامح على حق، و«الآخر المختلف» على باطل، فنكرس بهذا المعرَّف «دونية» الآخر، وفوقيتنا «كمتسامحين». لذا، أعتقد أن المفردة المطلوبة هنا هي "تعايش" أو "تقبُّل"، وليست "تسامح".

إن العيش معًا أو قبول الآخر، لا يعني فرض أفكار الآخرين عليك، ولا التخلي عن مبادئك ومعتقداتك، ولا تبنِّي ديانة الآخر أو مذهبه. هو يعني بكل بساطة أن تعيش وتدعَ الآخر يعيش. في كتاب الرحابة الإلهية لفادي ضو ونايلا طبارة، شدتني عبارة أجِدُها أجمل تقريب لمفهوم العيش معًا وقبول الآخر: "بدلًا من أن نعتبر الآخر كمقابل، نعتبره، مع احترام اختلافه غير القابل للانصهار، رفيق سَفَر". هذا هو رفيق السفر الذي علينا أن نقبله ونعيش معه، ولا بأس أن نعجب به لصفاته الإنسانية بعيدًا عن أي اختلاف عقائدي، أو مذهبي، أو قومي. هي رحلة نمشيها معًا، فما أجمل أن نكون رفقاء متحابين نعيش معًا في رحلة جميلة، هي هذه الحياة.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

الكلمات الدليلية

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive