الرجوع

هل يهدد الإسلام الراديكالي الغرب؟

الثلاثاء

م ٢٠١٧/٠٢/٠٧ |

هـ ١٤٣٨/٠٥/١١

أعلن "دونالد ترامب" قراره تحويل برنامج حكومته المناهض للتطرف العنيف، إلى برنامج لمناهضة الإسلام الراديكالي. لن يتفاجأ أحد بهذا القرار الذي يأتي منسجمًا مع السياسة الجديدة للإدارة الأميركية. ومن الناحية الأخرى من الأطلسي، تحتلّ مسألة الخطر الآتي من الإسلام الراديكالي، والمرتبط بموجات الهجرة الجديدة إلى القارة العجوز، حيّزًا متزايدًا في الخطاب السياسي. لقد نشر المرشح الرئاسي الفرنسي اليميني "فرنسوا فييون" كتابًا في 2016 عنوانه "الانتصار على التوتاليتارية الإسلامية"، جاء فيه: "إن الغزو الإسلامي الدموي لحياتنا اليومية يهيئ لحرب عالمية ثالثة، والمسألة الحقيقية اليوم هي أن نعرف كيف ننتصر على هذا الخطر الرهيب".

إن الرهاب من الإسلام (الإسلاموفوبيا) ليس بجديد في الغرب، وقد ازداد حدة بعد الأحداث الإرهابية التي ضربت أميركا وأوروبا بدءًا من 2001، والتي تبنتها مجموعات إسلاميّة. لكن هذا الموقف بقي محصورًا في دوائر اليمين المتطرف، ولم يصبح مسألة تحدد خيارات الشعوب والحكومات السياسية إلا في السنة المنصرمة. فانتقل الخطاب عن الإسلام الراديكالي في الغرب، إلى دائرة المبارزة بين أقطاب السياسة، ليصبح على رأس أجنداتهم الانتخابية. كما أن النقاش حوله أصبح من أبرز الموضوعات إعلاميًّا وأكاديميًّا. فما الذي فرض هذا التحول في الرأي العام الغربي؟

لا شك في أن المشهد الداعشي في العراق وسوريا، طبع أذهان الناس جميعًا. ولكن الإرهاب شيء، وما يسمى بالإسلام الراديكالي شيء آخر. لذلك يعبّر هذا التحول في الرأي العام الغربي، عن انتصار تيار إيديولوجي اتهم الآخرين بالسذاجة في التعامل مع التطرف والإرهاب، برفضهم أو تجنبهم ربط ذلك بالإسلام. فظهر الدعاة إلى محاربة الإسلام الراديكالي وكأنهم أكثر صدقًا وجرأة من الآخرين، وحصدوا تأييد الجمهور لهم. ومن بين رموز هذا التيار رئيس وزراء بريطانيا السابق "طوني بلير"، الذي دعا في 2014 القادة الغربيين إلى التحالف لمواجهة الخطر الأبرز الذي يمثله الإسلام الراديكالي، محددًا إياه كالآتي: "إنه إقصائي بطبيعته... يسعى إلى مجتمع ذي نظام ثابت مؤسس على عقائد دينية ثابتة، وهي بجوهرها غير قابلة للتغيير". (صحيفة الغارديان: 24/4/2014)

مع تنامي هذا التوجه الإيديولوجي في الغرب، لا بد من التساؤل: ما هو حقًّا هذا الإسلام الراديكالي؟ ومن أتباعه؟ يسهل الحديث بشيء من الوضوح والموضوعية عن تنظيمات وحركات إسلامية -أو تدَّعي هذه الصفة- مثل: داعش، أو الإخوان المسلمين، أو حزب الله، أو التيارات السلفية التي من الممكن تحديد مؤسسيها وعقيدتها وأتباعها؛ لكن الحديث عن "الإسلام الراديكالي" يبقى مغلّفًا بكثير من الضبابية والالتباس، إذ لا مؤسس له، ولا هيكل تنظيمي، ولا عقيدة واضحة المعالم. في الواقع، إن المؤسس الحقيقي للإسلام الراديكالي هو الغرب نفسه، وامتداد خوفه من الإرهاب ذي الصفة الإسلامية، إلى الإسلام الذي اعتُبر مصدرًا لهذه المشكلة. فالإسلام الراديكالي هو تصوّر من تصوّرات الغرب للإسلام، ومنتج نيو-استشراقي مقتنع بأن الإسلام يتمتع بنظرة ثابتة عقائديًّا للمجتمع والسياسة، تهدد طبيعة المجتمعات المتعددة، والقائمة على قيم الحداثة والمواطنة الليبرالية.

لا بد من الاعتراف بأن الممارسات السياسية لحركات الإسلام السياسي، والعقيدة السياسية لعدد من الدول، والخطاب الديني المسلم التقليدي، وبعض المنظِّرين الجدد للإسلام في الغرب من مثل "شادي حميد" في كتابه "الاستثناء الإسلامي: كيف يعيد الصراع على الإسلام تشكيل العالم" (2016)- تُعزّز موقف هذا التيار الإيديولوجي الغربي. فيبدو أن عددًا غير قليل من المسلمين يؤيدون مفهوم الإسلام الراديكالي ويتبنونه. لكن اختزال الإسلام السياسي المتعدد، بمشهد أحادي يسمى بالإسلام الراديكالي من جهة، واختصار الإسلام كديانة -على تنوع مكوناتها- بالإسلام السياسي من جهة أخرى، هو الذي يشكل الخطر الحقيقي على الغرب. تغفل هذه المقاربة عن التعامل مع مكامن الخطر الآتية من المجموعات الإرهابية، ومكامن الخلل الآتية من البون والتباعد الثقافي والاجتماعي بين بعض المسلمين ومجتمعاتهم في الغرب، والمجتمعات ذات الغالبية المسلمة والمجتمعات الغربية. ولأنها تلصق -ولو بشكل غير مباشر- تهمة التطرف بجميع المسلمين، تزيد هذه المقاربة المتطرفين تطرفًا، والمتباعدين حذرًا ونفورًا. والمخيف في ذلك أن تتحول غربة الغرب عن الإسلام، والقصور عن مقاربة تعدديته، إسهامًا في غلبة مَن يريد مِن بين المسلمين أن يجعل من الإسلام منظومة أحادية سلطوية، باسم الراديكالية الدينية. عندها يتحول الإسلام الراديكالي حقًّا، إلى واقع يهدد الإسلام والغرب معًا.

* هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive