الرجوع

المساواة في الإرث: بِدعة أم ضرورة اقتصادية؟

الخميس

م ٢٠١٩/٠٤/١٨ |

هـ ١٤٤٠/٠٨/١٣

المساواة في الإرث، هي إحدى أكثر المسائل إثارةً للجدل، من بين سلسلة من الإصلاحات، التي اقترحَتها لجنة الحريات الفردية، والمساواة التي شكَّلها الرئيس الباجي قائد السبسي في صيف 2017. وقد قامت هذه اللجنة بمراجعة مختلف القوانين، التي أصبحت مُتعارِضة مع دستور الجمهورية الثانية، عِلمًا أن هذا الدستور الجديد قد أقرَّ المساواة التامة بين النساء والرجال، ومنَع التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو المعتقد أو العِرق أو الجنس، طِبقًا لفلسفة حقوق الإنسان. وهو ما يستلزم ملاءَمة مختلف القوانين مع ما ورد في هذا الدستور.

 يَطمح مشروع القانون المعروض، إلى إقرار المساواة في الإرث كقاعدة عامة، مع تمكين المواطنين الراغبين في الاستثناء منها، سواءٌ لأسباب دينية أو شخصية أو غيرها، وذلك من خلال عَقْد لدى عُدول أو وصية، بحسب ما ينصُّ عليه المقترَح. وقد أثارت هذه المبادرة التشريعية جدلًا شديدًا، ليس في تونس فحسب، بل في العديد من الدول العربية والإسلامية الأخرى؛ حيث وصل إلى درجة التظاهر والاحتجاج في الشوارع، بتَعِلَّة أنها تتصادم مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتُزَعزع ثوابت الأمة. لذلك، سعى المناهضون لهذا المشروع إلى تشويه طبيعة المسألة، فحوَّلوها من مسألة عدل ومساواة اجتماعية، إلى مسألة عقائدية بَحْتة.

إنْ كان هذا التعديل القانوني يَفرض نفسه بِاسْم الديمقراطية، التي تَعُدُّ مسألةَ المساواة التامة بين مُواطنيها في الواجبات والحقوق إحدى ركائزها، وتعتبرها -بحسب أحكام الدستور الجديد- النصَّ المُؤسِّس للعَقْد الاجتماعي النّابع من الثّورة؛ فإنّ دراسة مدقَّقة لتَحوّلات المجتمع التّونسي، من شأنها أيضًا أن تُقدِّم حُججًا حاسمة، دفاعًا عن هذا التغيير التشريعي. وبالفعل، فإنَّ الدِّيناميكيّة الاجتماعية قد أفرزَت في المجتمع التونسي تَحوُّلات بُنْيَويّة وسوسيولوجية، أثَّرَت في منظومة القيم وأنماط تَمثُّلها، ومسالك تَطوُّرها في الأوساط الاجتماعية.

لقد تَمكّن تقسيمُ العمل الحديث من زعزعة المشهد التقليدي، الذي كان يقُوم على مبدأ تقسيم جِنسيٍّ للوظائف والأدوار. وقد حدثَت تَحوّلات في علاقات الهيمنة، ولم يَعُد الزّوج/الأب هو المسؤول الوحيد عن تسيير المؤسّسة العائلية، والمتصرّف في مواردها الاقتصادية؛ إذ استُبدلَت سُلطته باتِّجاه الشَّراكة الزوجية، وتَقاسُم المسؤوليات والقرارات العائليّة.

إنَّ انتشار التعليم، وتَراجُع نسبة الأُمِّيّة، وَوُلوج المرأة سُوق الشغل، عَوامل أسهمَت في تعميم نموذج الأسرة النووية (المكوَّنة من أبَوَين وأبنائهما فقط)، وهو ما مَثَّل في تونس مُعطًى سوسيولوجيًّا من الدرجة الأولى. وتُبيِّن الإحصائيّات أن عدد الإناث يَفُوق عدد الذكور، في جميع مسالك التكوين المَدْرسي والجامعي. وتُفْصِح البيانات الخاصّة بالتعليم العالي، عن نِسَب أرقى للأداء الدراسي للإناث. فمنذ سنة 1999، بدأ الفارق في عدد البنات المسجّلات كطالبات في القطاع العمومي يرتفع، حتى بلغت نسبة البنات سنة 2014/2015: 63.5% من مجموع الطلبة. وعمومًا، وفي جميع المجالات تقريبًا، تتجاوز نسبة البنات نسبة الذّكور، بل إن الإناث في صدد الهيمنة على أكثر مسالك التعليم انتقائيَّةً في التعليم العالي بتونس، ألا وهو العلوم الأساسية والطبّ والهندسة. وقد أنتجَت هذه الثورة التعليمية تَحوُّلات في تَصوُّرات الأسرة التونسية وسلوكاتها، كان مِن أبرزِ مظاهرها تَقلُّصُ التمييز، الذي كان يَفصل الذكر عن الأنثى.

لقد انعكسَت هذه الإشارات على الدَّور الاقتصادي للمرأة. فقد بيّنَت الدراسات أن غالبية النساء يُساهمْنَ في مصاريف الأسرة، وأنّهنّ يُخصّصن ليس فقط رواتبهنَّ الشهرية لتلبية حاجيات أفراد العائلة، بل أيضًا ممتلكاتهنّ. وتشير الدراسات إلى أن 72% من النساء النشيطات المشتغلات، يُخصّصن كامل دخْلِهنّ لمصاريف الأسرة. ثمّ إنّ ما يقارب ربع القروض البنكيّة الممنوحة لتمويل السّكن العائلي، بين سنَتَي 2011 و2015، تَحصّلَت عليها نساء. وتضطلع غالبًا المرأة بالعناية بالأطفال، والرِّعاية للأقارب المُسنِّين أو غير القادرين على القيام بشؤونهم بمفردهم داخل العائلة، في ظلِّ محدودية مؤسَّسات الدولة وهشاشتها.

مع مساهمة المرأة في خلق الثروة ومُراكَمتها، تُبيِّن الإحصائيّات أن نِسبتهنَّ كمُستثمِرات مستقِلَّات لا تتجاوز 9.4%. أمَّا في مجال مُلكيّة الأراضي الزراعية، فلا تتجاوز هذه النسبة 3.3%. وتُبْرز هذه الإحصائيّات، حجم الاختلال العميق في توزيع الثروة في تونس، وحَيْف التمكين الاقتصادي والمالي بين الجنسَين. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار، أن القانون التونسي يُجْبر المرأة على الإنفاق، والمشارَكة في تحمُّل أعباء أسرتها –في حين يُعْفيها الفقه الإسلامي من ذلك-؛ فنحن أمام مُفارَقة قانونيَّة!

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2025
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق