الرجوع

المسلمون الإيغور والبحث عن الحرية

الثلاثاء

م ٢٠٢٠/٠١/١٤ |

هـ ١٤٤١/٠٥/١٩

أثارت التغريدة التي أطلقها لاعبُ كرة القدم التركيُّ الأصل "مسعود أوزيل"، والتي يتضامن فيها مع الإيغور المسلمين، مَوجةً واسعة من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي، والرفض للانتهاكات التي تقوم بها السلطات الصينية بحقِّ الإيغور الأتراك المسلمين. يتوزع المسلمون في الصين على عشْر أقلِّيّات قومية، ويبلغ عددهم وَفْق الإحصائيات الرسمية 24 مليون نسمة، في حين تَذهب بعض الدراسات إلى القول بأن عدد المسلمين في الصين يقارب 130 مليونًا، وذلك من إجماليّ عدد السكان البالغ عددهم 1.35 مليارًا. ومِن أبرز القوميات المسلمة في الصين، قَومِيَّتا الهوي والإيغور. وتُعدُّ قومية "الهوي" أكثر القوميّات تعدادًا وانتشارًا، وهم على علاقة حسنة بقومية "الهان" التي تمثِّل حوالي 91% من السكان. ويتكلَّم "الهوي" اللغة الصينية، ويُسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية دون قمع ولا مضايقات. يَرجع الإيغور في أصولهم إلى شعوب تركية، ويتمركزون في منطقة تركستان الشرقية، وهم يَدينون بالإسلام، ويُقدَّر عددهم حسب إحصاء سنة 2003 بنحو 8.5 ملايين نسمة، يعيش معظمهم في إقليم " شنغيانغ ". وتَبلغ مساحة تركستان الشرقية ما يزيد عن 1.6 مليون كيلومتر مربع، وهي تحوي ثروات طبيعية كبيرة جدًّا. ومع ذلك بقي المستوى الاقتصادي للإيغور ضعيفًا بسبب سياسة التمييز ضدهم، وهذا الذي ضاعَف من حجم الشعور بالظلم والاستبداد. في محاولة من الحكومة الصينية للقضاء على أيِّ توجُّهات انفصالية، أجبرَت الحكومةُ الإيغورَ على ترك لغتهم الإيغورية، وفرضَت عليهم تَعلُّم اللغة الصينية. وأيضًا منعَتهم من إقامة شعائرهم الدينية، ووضعت الآلاف منهم في معسكرات مغلَقة بدعوى إعادة التأهيل! ومع نفي الحكومة الصينية ارتكابَها مثل هذه الممارسات القمعية، فإنَّ منظمة "هيومن رايتس ووتش" نشرت في تقرير عام 2005: "أن الحكومة الصينية تقُود حملة شاملة من القمع الديني ضد المسلمين الإيغور، تحت ذريعة محاربة النَّزْعة الانفصالية والإرهاب". أيضًا استُغِلَّ قيام مسلَّحين من الإيغور بقتل 31 شخصًا طعْنًا في محطة للقطارات عام 2014. في المنظور الديني السائد، يَحرص الكثيرون على اعتبار ما يَحدث للإيغور جزءًا من حرب كونية على الإسلام. والمشكلة الأساسية في هذا الخطاب، تَكمن في عجزه عن استيعاب الأسباب الموضوعية للمشكلات. فاضطهاد الأقليات ليس محصورًا في أتْباع ديانة بعينها. وهنا، نستحضر ما قامت به السلطات الصينية من اضطهاد للبوذيين في "التُّبَّت"، وقمْعٍ للمحتجِّين المطالِبين بالديمقراطية في هونج كونج وفي ميدان تيانانمن عام 1989، حيث قُتل قرابة 10 آلاف شخص. ثم إن بعض أشكال الاضطهاد نحو الأقليات وقمع حقوقهم، كانت تَحدث على أيدي أناس من أتْباع الدين نفسه، وهذا يؤكد أن جوهر المشكلة ليس دينيًّا، بقدر ما هو سياسيٌّ أو اقتصادي. أيضًا لا بد أن نستحضر دور الاستعمار في تصعيد الاختلافات الداخلية بين أبناء الوطن الواحد، والسعي إلى تقسيم البلاد، وأن نستحضر ما حدث مع الهندوس والمسلمين في الهند، حيث عمل الاستعمار البريطاني على تقسيم الهند، من خلال إثارة النِّزاعات الدينية بين أبناء البلد الواحد. والحال أنه لو لم تنفصل الباكستان وبنغلادش، لكانت الهند اليوم أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، ولَمَثَّل المسلمون فيها أكثر من 50% من سكانها! يذهب صمويل هنتنجتون إلى أن الصراع المستقبلي سيكون بين ثلاث حضارات، وهي: الحضارة الإسلامية، والحضارة الصينية، والحضارة الغربية. ولا شك أن العالم الإسلامي الغارق في الانقسامات والنزاعات الداخلية، لا يمثِّل خطرًا إلّا على نفسه. وفي بعض الأحيان، يمثِّل المسلمون وَقُودًا لصراعات بعيدة تمامًا عن سياقاتهم الدينية والعِرقية. مع تأكيد سوء تعامل الحكومة الصينية مع الإيغور، أتى التصعيد في ظلال تنامي الحرب. وقد جاء التصعيد الأخير في مشكلة الإيغور، في ظلال تنامي الحرب التجارية مع الولايات المتحدة. وبحسب ما تؤكده الدراسات الاقتصادية التي أجراها البنك "إتش إس بي سي" العالمي، فإن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة، لتصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030، بإجمالي ناتج محلِّيّ سيبلغ 26 تريليون دولار. وهذا يعني أن إشغال الصين بصراعات داخلية لإضعافها واستنزاف طاقاتها على حساب بعض القضايا، قد يَضرُّ بمصالح المجتمع الصيني. إنَّ جهل أسباب المشكلة أو توجيهها باتجاه إنتاج صراعات عَقَدِيَّة جديدة، لا يقلُّ سوءًا عن إنكارها، أو الوقوع في فخِّ الدفاع عن الانتهاكات التي تقترفها السلطات الصينية. فالمطلوب اليوم من المسلمين تجاه الإيغور، إدراك المشهد بكافة أبعاده، والابتعاد عن عُقدة المظلومية والانفعالية العاطفية.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2025
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق