الرجوع

تعدُّديَّتهم وتعدُّديتنا

الثلاثاء

م ٢٠١٧/٠٩/٢٦ |

هـ ١٤٣٩/٠١/٠٦

مسيرة فكر التعددية في العالم مثيرة ومهمة، وهي ليست مسيرة واحدة ولا تتبع مسارًا متطابقًا. فلكلٍّ مفهومه عن قيمة التعددية، ولكل غاياته منها. هم، في الغرب، سلكوا مسار التعددية قبلنا بعقود، وبعدما قاربوا على إنهاء مشكلاتهم في قبول "الآخر"، حيث المرأة والسُّود ودرجات البِيض المختلفة واليهود والمِثليُّون وغيرهم، وضعونا نحن المسلمين العرب في سلة واحدة عصيَّة على الاندماج، مقاومة لفهم أبعاد الثقافات المختلفة، ومفسرة للكثير من المعاناة في ضوء نظريات الكراهية والتآمر والاضطهاد.

المتأمل لحال الحياة في ضواحي العاصمة البريطانية مثلًا في عام 2017، وحالها قبل عقدين من الزمان، يجد اختلافًا في قضايا الدمج والقبول. فالفئات التي كانت تشغل روزنامة الفعاليات الرسمية والأهلية الهادفة إلى إدماج المواطنين الجدد وأبنائهم، كانت قبل نحو عقدين موجهة في أغلبها إلى جهة الهنود والباكستانيين والبنغاليين وغيرهم من هذا الجزء من العالم. وفي الوقت نفسه، كانت مشكلات السود -من أصول مختلفة- تبزغ بين الحين والآخر، حيث اتهامات بالعنصرية حينًا، وتلميحات بالفوقية حينًا، واحتكاكات واحتقانات أحيانًا. لكنَّ العقدَين الأخيرين شهِدَا -بحكم عوامل سياسية واقتصادية عدة تكللت بهبوب رياح ربيعية عاصفة على المنطقة العربية- تحوُّلًا كليًّا في دفة برامج الدمج والقبول وإعلاء قيمة التعددية.

ويمكن القول إن مشكلات الدمج الخاصة بالجاليات الآسيوية والمواطنين السود، انتقلت من حيز الشد والجذب، والمقاومة والإقناع، إلى درجةٍ أنضج من درجات العيش في مجتمعات متعددة الثقافات والإثنيات والأعراق. ونبقى نحن المسلمين -وتحديدًا المسلمين العرب- في مرحلة المبتدئين المقاومين للاندماج، المرابطين عند حدود الاختلاف، الرافعين راية الخلاف، المعتنقين نظرية الاضطهاد. وفي قول آخر، إن المسلمين -وتحديدًا العرب- ممن هاجروا أو لجأوا أو نزحوا إلى هذه البلدان الغربية، يتحدثون عن كراهية موجهة نحوهم أو فوقية مصوبة إلى جهتهم أو عنصرية لا تُوجَّه إلا ضدهم، وربما يؤمنون بأن الغرب يخشى قوتهم ويرتعش من بأسهم ويرتعد من أعدادهم، ومن ثم يتآمر عليهم ويقوِّض قدراتهم ويحارب إقدامهم.

لكن الإقدام على تحوير الواقع المَعيش لا يغيِّر الصعوبة التي تصل حد المأساة. فالنُّسخ الحديثة للتدين التي غزت دولًا عربية عدة، أصابت المسلمين في مقتل حضاري وثقافي وعلمي ومعيشي. وبدلًا من تحديث الخطاب الديني وتطوير الواقع الإسلامي لا ليواكب التطور الحادث في الكوكب، بل ليسبقه وينافس الآخرين في قيادة الأرض، فَعَل العكس تمامًا.

وتمامًا كما هو متوقع، تأتي تعليقات الكثيرين من المسلمين العرب على مشكلات الاندماج العربي المسلم في الدول الغربية، مرتكزة على إيمان شديد بأن المسلم وُلِد مضطهَدًا في الغرب لخوف الغرب من المسلمين وبأسهم. وفي حوار جمع عددًا من المسلمين العرب المقيمين في لندن (وجميعهم إما هاجر لأسباب اقتصادية أو نزح أو لجأ لِدواع أمنية حيث الحروب الداعشية)، جاءت التعليقات واضحة كاشفة. فمِن بين عشرة مشاركين، مال اثنان فقط إلى توجيه القدر الأكبر من اللوم على عدم الاندماج في المجتمع البريطاني، إلى الشخص نفسه. وتحدثت الغالبية الباقية -بدرجات متفاوتة- إمّا عن الغرب "الكافر"، أو المجتمع "العنصري"، أو البلد "الفاجر"، أو منظومة القيم "المادية البعيدة عن روحانية الإسلام ورقيِّه". "الغرب متعصب دينيًّا ويسمح بسب الإسلام والمسلمين تحت مسميات الحرية والتعبير عن الرأي والفن لكنه لا يسمح بالمثل للمسيحيين"، "هذه مجتمعات فاسقة تمجد الشذوذ (المثلية)، ولا تعرف الحياء ولا تعترف بالشرف، وتشعر بالخزي والعار حين تجد من يعيش بينها وهو يحترم ربه ودينه وشرفه، لذلك لا يحبوننا وإن كانوا يتظاهرون بقبولنا".

هكذا سارت غالبية التعليقات. وهي تعليقات تظهر آثارها بوضوح على معاناة شديدة لا يكتبها فقط قائلها، بل يعانيها ويحمل وطأتها الأبناء والبنات والزوجات. فهؤلاء يُفرض عليهم حصار عائلي ثقافي ديني بهدف الحماية من مجتمع الموبِقات. هذا الحصار يقف سدًّا منيعًا بينهم وبين الاندماج، وهو حصار قد تثور عليه الأجيال الصغرى، أو تتوارثه ليتعمق الخلاف ويزيد الاختلاف وينكمش الاندماج.

ويظل أغرب ما فينا نحن المسلمين العرب، أنَّ ما نشكوه من عدم احترام الغرب لاختلافنا، نطبقه بحذافيره، مضافًا إليه مزيد من التجويد والاجتهاد بين بعضنا بعضًا في بلادنا. السُّنة لا يقبلون الشيعة، والشيعة يناصبون السنة العِداء، والسنة من الإخوان والسلفيين يعتبرون أنفسهم في مكانة أعلى من السنة من غير الإخوان والسلفيين. وهؤلاء يقولون إن أولئك خارجون عن الملة وكافرون بالحق، وأولئك ينعتون هؤلاء بالرويبضة والخوارج. هذا فيما يختص بالمسلمين وبعضهم بعضًا في بلاد المسلمين. أمّا لدى غير المسلمين فالأمر لا يتعلق بالتعددية والقبول، بقدر ما يتعلق بقبول فكرة أن الله خلق آخرين من الأصل.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبته ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2025
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق