الرجوع

حين تمسي الوطنيّة عنصريّةً وخطاب كراهية

الخميس

م ٢٠١٩/٠٦/٢٠ |

هـ ١٤٤٠/١٠/١٧

في مثل هذا اليوم (20 حزيران/يونيو) من كلِّ عام، يُحتفل باليوم العالمي لِلَّاجئين/ات، الذين تُعرِّفهم  الأمم المتحدة بحسب موقعها الإلكتروني بـ: "الأفراد الذين يضطرُّون لمغادرة ديارهم حفاظًا على حرياتهم أو إنقاذًا لأرواحهم. فهم لا يتمتعون بحماية دولتهم -لا بل غالبًا ما تكون حكومتهم هي مصدر تهديدهم بالاضطهاد- وفي حال عدم السماح لهم بدخول بلدان أخرى وعدم تزويدهم في حال دخولهم بالحماية والمساعدة، تكون هذه البلدان قد حكمت عليهم بالموت أو بحياة لا تُطاق في الظِّلال، دون الحصول على سبل الرزق ودون أيِّ حقوق".

منذ أسابيع حتى اليوم، ارتفعَت لهجة عدائية تجاه اللاجئين السوريِّين/ات في لبنان، مِن قِبل بعض السياسيين -المسيحيين بشكل خاص-، للمطالبة بعودتهم إلى بلدهم، مُلْقِين على عاتقهم المشاكل العديدة التي يعانيها البلد المضيف، وطارحين الأرقام جِزافًا لخدمة غايتهم هذه، متجاهلين دراساتٍ وأرقامًا معاكسة صدرَت وتَصدر عن المراكز البحثية في لبنان. وقد سبق ذلك تصريحات متكررة لقادة دينيِّين، جاء في أحدها أن اللاجئين "يشكِّلون خطرًا على الكيان اللبناني ديموغرافيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وأمنيًّا"!

رافق هذه اللهجة العدائية حملاتٌ شعبية/سياسية، للمطالبة بطرد العمَّال من اللاجئين/ات، جعلت من العنصرية وطنيَّةً، ومن خطاب الكراهيَة كلمةَ حقٍّ. فكأنَّ الهُويّة الوطنية لا تُثبت نفسها ولا يُعبَّر عنها، إلَّا من خلال مُعاداة الآخر وكرهه. في المقابل، عبَّر لبنانيون كثيرون/ات -من خلال وقفة احتجاجية صامتة، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي-، عن رفْضِهم الحازم لخطاب الكراهيَة بحقِّ اللاجئين/ات.

بِناءً عليه، لا بد من التذكير مرة بعد أخرى، بأسباب وجوب ألَّا نكُون عُنصريِّين/ات، ولماذا علينا الوقوف في وجه خطاب الكراهيَة ورفض الآخر:

على صعيد حقوق الإنسان، التي يُعدُّ إعلانها العالمي، نصًّا قيميًّا جامعًا لديانات وثقافات مختلفة، يأتي التشديد على الكرامة الإنسانية، والحقوق الثابتة والمتساوية لكلِّ البشر، والتأكيد لِلحقِّ في الحياة والحرية والأمان، والاعتراف لكلِّ إنسان أينما كان بالشخصية القانونية، وبالحقِّ في: "الحماية مِن أيِّ تمييز ينتهك هذا الإعلانَ ومن أيِّ تحريض على مثل هذا التمييز"، بل وعلى نحو أكثر وضوحًا ومباشرة في المادة 14، يأتي الكلام بشأن اللاجئين/ات: "لكلِّ فرد حقُّ الْتِماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتُّع به خلاصًا من الاضطهاد".

على الصعيد المسيحي، من العهد القديم –كما في وصية: "فأحبُّوا الغرِيبَ لأنَّكمْ كنتمْ غرباءَ في أرضِ مصْرَ" (تث 10: 19)-، إلى العهد الجديد –كما في النص المعروف: "وكنتُ غريبًا فآويتُموني... كُلَّما صنعْتُم شيئًا من ذلك لِواحدٍ من إخوتي هؤلاء الصِّغَار، فَلِي قد صنعْتُموه" (متى 25: 35-40)-؛ ليس من مجال لِسُوء تفسير، في السلوك المسيحي الصحيح بحقِّ الآخر المختلف، لا سيّما إنْ كان هذا الآخر مضطهَدًا أو في ضِيق.

بعيدًا عن حقوق الإنسان والدين، التي قد لا تُخاطِب قيَمُهما على الدوام المواطنين/ات الذين يعانُون ضِيقَ الحال وتَراجُع الوضع الاقتصادي، يَظنُّ بعض مَن هُم على اطِّلاع على العوامل المؤثِّرة في قضية اللاجئين/ات، أنّ خطابَ الكراهيَة ضدَّهم وتصعيدَ العنصرية، لن يغيِّر شيئًا في موضوع عودتهم بشكل جِدِّيّ، لكنه قد يفيد أصحابَ هذا الخطاب من مكاسب شعبية، وربما من ابتزاز المجتمع الدولي، لتقديم المزيد من المساعدات، التي كثيرًا ما يختفي بعضها في قنوات الفساد. فهذا الخطاب الشعبوي الدِّيماغوجي، يركِّز على مخاوف الناس وأفكارهم النّمطية بحقِّ الآخر، الذي هو اللاجئ(ة)، فيُثير العواطف والغرائز، دون أن يقدِّم فائدة حقيقية للناس في نهاية الأمر.

تبدو مصلحة الشعوب المتجاورة بحكم التاريخ والجغرافيا، في احتضان بعضها بعضًا في الشدائد. فاللاجئ(ة) هنا اليوم، هو الجار هناك يومَ غد أو بعده. ومِن الفطنة -إن لم يكن من باب احترام حقوق الإنسان وقيم الدين-، أن نحرص على اللاجئ(ة) الذي بيننا اليوم؛ لتكون العلاقة به(ها) حين يعود إلى وطنه(ها)، علاقة طيبة تستند إلى تاريخ من الطيبة والتعاضد، وهو الأمر الذي يُثبته مثال أعداد لا يمكن حصرها من لبنانيين/ات وسوريين/ات، في "خطاب وجودي" حيٍّ، مُعْلنين كلّ يوم في طُرق تعاملهم مع الآخر المختلف، أن العيش مع هذا الآخر -وإن كان لاجئًا(ة) لا مُواطنًا(ة)، ممكن، بل ومفيد، لا سيّما إن تَوَافرَت النية الجيدة، والرعاية اللازمة من قِبل الدولة.

اتَّصف لبنان قبل تكوينه الحالي بأنه مَلجأ المضطهَدِين/ات، واستَوعب أيضًا في الماضي القريب هجرات متنوعة إليه، شكَّل فيها الفلسطينيون/ات والسوريون/ات جزءًا أساسيًّا منها. فشاركوا بفعّاليّة ودون تمييز في نهضة لبنان المالية والاقتصادية، والثقافية بوجه خاص. ومن جهة أخرى، ساهم اللبنانيون المهاجرون/ات في الدول القريبة والبعيدة، في نهضتها وعِزِّها، على نحوٍ يجعل السماح اليوم لخطاب الكراهيَة الشعبوي ورفْض الآخر، بالتغلغل بين الناس، تحت وطأة صعوبة الظروف المعيشية، أشبه بجريمة قتل، وأمرًا لا يُشبه ما يجب أن يكون عليه لبنان.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2025
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق