الرجوع

عائشة بنت راشد العُمَانيّة الزاهدة

الثلاثاء

م ٢٠١٩/٠٧/٣٠ |

هـ ١٤٤٠/١١/٢٨

الزُّهد غالبًا ما يرتبط في تَصوُّرنا بالاستكانة والابتعاد عن الدنيا، بَيْد أنّ هذا التصوُّر ليس دائمًا صحيحًا. فكثيرًا ما يكُون للزاهد(ة) مَشروعُه(ها) في الحياة: الاجتماعي أو العِلمي أو السياسي أو الاقتصادي. فالزهد هو قيْدٌ أخلاقي، يمنع النفس من الانغماس في رغباتها المادية، لكنه في الوقت نفسه قد يكُون محرِّضًا على عمل الخير للإنسانية. فهو يأخذ بُعدًا صوفيًّا، إلَّا أنه يجنِّبه الاغتراب عن المجتمع، بل يَدفع به إلى الحياة، ليعطي اللهَ والإنسانَ كُلَّ نفسِه، متخلِّصًا من الحظوظ الذاتية.

عائشة بنت راشد بن خُصَيب الرِّيَاميّة، التي عاشت في معظم القرن الثاني عشر الهجري/الثامن عشر الميلادي، تُمثّل حالةً جلِيَّة من حالات الزهد، الجامع بين قيد الرغبات الذاتية، والمحرِّض على العمل الإنساني. عاشت بمدينة بَهلا العُمَانيّة الضاربة في القِدَم، والتي تضمُّ شواهد حضارية تعُود لأكثر من خمسة آلاف عام. لقد امتازت بَهلا زمن الرِّيَاميّة بحركة زُهديّة ملحوظة، حيث كثُرَ فيها المتعبِّدون/ات وأصحاب الذِّكر. فكانت لهم/هُنّ خلواتهم/هُنّ، التي يقيمون فيها الليل تهجُّدًا وصلاةً وقراءةً للقرآن، وأيضًا يصومون فيها نهارهم.

في زمنها، انتعشَت بَهلا بالحركة الاقتصادية والعلمية والسياسية، حتى اتَّخذها الإمام بلْعَرب بن سلطان اليَعْرُبِيّ (ت 1105هـ/ 1694م)، مَقرًّا من مقرَّات حُكمه، وبنى فيها قصر جبرين الشهير، الذي يُعتبر تُحفة فنِّيّة فخمة، ليس له مثيل في عموم الجزيرة العربية حينذاك، إذِ اشتمل على مدرسة أَمَّها طلّاب العلم من مختلف الديار العُمَانيّة، ووفَدَ إليها العلماء والأدباء من عُمَان وخارجها. وقد نشِطَت في بَهلا حركة نسخ المخطوطات، حتى أصبحَت هي الأُولى عُمَانيًّا، وازدهرت بالمَكتبات.

عائشة الرِّياميّة هي أحَد مُخْرَجات ذلك العصر، وتُشكّل بالنسبة إلى وضع المرأة العُمَانيّة تَميُّزًا غير معهود. فهي -مع زُهدها الذي طلّقَت به مباهج الدنيا-، عالمةٌ باللغة والشريعة، حتى أصبحت مرجع الفتوى في عُمَان. وقد ألّفَت كتابًا –قيل– عنوانه "البستان" في جُزءَيْن، إلّا أنه مفقود. لكنَّ كثيرًا من أجوبتها وآرائها، محفوظة في الموسوعات الفقهية العُمَانيّة، بحيث لو جُمعَت لَكوّنَت مجلَّدًا كبيرًا.

قد أدْرَك كثيرٌ ممَّن عاصرها، المنزلةَ التي بلغَتْها. وممَّن أشاد بها –ورَثاها– الشاعر محمد بن سعيد الغشري في ديوانه، حيث قال:

حوَتْ عِلمَ بحرِ العلمِ معْ زهد مريمٍ          ومنطقِ سحبانٍ وحلم ابن عاصم

أيضًا حازت منزلةً اجتماعية عند قومها، حتى إنها كانت تقف في وجه الظَّلَمة، وتسترجع منهم حقوق المظلومين/ات:

وتبذلُ نفْسًا في الإلهِ عزيزةً          لإنصافِ مظلومٍ وتهوِينِ ظالمِ

إن قوة شخصيتها قد ظهرت بصلابة، عندما عارضت الإمام سيف بن سلطان اليَعْرُبِيّ (ت 1123هـ/ 1710م). وهو مِن أقوى حكَّام عُمَان على مرِّ تأريخها، بل لم تتوسع الدولة مثلما توسَّعَت في عهده، حيث طارد الاستعمار البرتغالي عبر البحار، وسيطر على الساحل الشرقي لإفريقيا حتى رأس الرجاء الصالح، وضمَّ إلى عُمَان مناطق من الساحل الغربي للهند وفارس، حتى لُقِّب لِفُتوحاته بـ"قَيْد الأرض". وقد خرج على أخيه بلْعَرب الحاكم الشرعي، فعارضتْهُ الرِّياميّة، واعتبرَت سيطرته على الحكم عملًا مخالفًا لنظام الإمامة، الذي يقوم على أساس الانتخاب. فرُوي أنه لم يتمكن من الحكم حتى أعلن اعتزاله عنه، ثم عَقَد له العلماء والناس البيعة من جديد. وهذا ما جعل الغشري يقول فيها:

ولا تختشي في الحقِّ صولةَ صائلٍ         ولم تُثْنِها في الله لومةُ لايمِ

إضافةً إلى هذه المواقف السياسية، اهتمَّت "عائشة" بدعم الحركة العلمية في بلدها بَهلا. فأسَّسَت مكتبة، جعلَتها وقفًا لطلَبة العلم والباحثين/ات وسائر الناس، وأوقفت لها أموالًا لخدمتها ونسخ الكتب لها، وحِفظها وتجليدها وإصلاحها. وقد وصلَنا العديد من كتبها، وبعضها محفوظ في المكتبات العُمَانيّة المعاصرة.

إن الزُّهد العامل الذي لا يستكين لِلدَّعَة، ولا يكتفي بممارسة شعائر تعبُّديّة مجرَّدة لا تنعكس خيرًا على المجتمع؛ كان هو الحَرَاك الفاعل في مجتمع عائشة الرِّياميّة، التي توَلَّت زمام المبادرة فيه، ودفعَت بعمومه إلى التفاعل مع هذا الحَراك، حتى أصبحت مرجعًا للرجال (علماء وقادة وساسة)، في دولة كانت الأولى في امتدادها وهيمنتها على المنطقة. هذه الزاهدة عدّها الغشري –هي وشخص آخر مُعاصر لها في بَهلا– من "الأبدال"، الذين يشكِّلون أعمدة التصوف، لكنهم لا يُديرون ظهرهم للحياة، بل يقومون بشأنها الصحيح:

أظنُّهما أبدال ربِّي بأرضه           فجَلَّاهُما فوق النجوم العَواتم

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2025
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق