الرجوع

عالَميَّة الإيمان أَمْ عَولمة الدِّين؟

الإثنين

م ٢٠١٩/٠٩/٠٩ |

هـ ١٤٤١/٠١/١٠

يعتقد كثير من أتباع الأديان، أنَّ ديانتهم هي الأنموذج الأمثل للدِّيانة العالميَّة، ويُبالغ بعضهم فيَقصُر تلك العالميَّة على تعاليم دينهم، دون أن يتنبَّهوا لِأبعاد هذا الادِّعاء وإشكالاته المختلفة؛ إذِ العالميَّة ليست مجرَّد افتخار بخصوصيَّات عَقَدِيَّة نظريَّة. والنَّظريَّات -مهْما كانت جميلة ومُقْنعة- تَهتزُّ أمام الممارَسات القبيحة للأَتباع/التّابعات، وخاصَّة عندما يفتقدون القدرة على احترام الاختلافات، أو عندما تفُوق رغبةُ الانقسام عندهم/هنّ قيمةَ الوَحْدة والاجتماع.

إنَّ "عالميَّة الدِّين" وَفْق صيغتها العَقَدِيَّة الجامدة، قد تُمثِّل شكلًا آخر من أشكال "المَركزيَّة العَقديَّة"، الَّتي لا تختلف كثيرًا عن "العَولمة الثَّقافيَّة"، الَّتي تُمثِّل في كثير من الأحيان صيغةً شكليَّة لتمرير "المَركزيَّة الغربيَّة". وعلى ذلك، فإنَّ فرْض نماذج ثقافيَّة أو دينيَّة جاهزة، ومحاوَلة تعميمها وعَولمتها، يتنافَيَانِ وقيمةَ التعدُّديَّة والاختلاف.

تزداد أهمِّيَّة الحديث بعالميَّة الدِّين، مع تنامِي قدرات العقل الدِّينيِّ على اكتشاف المشترَكات الكبرى، الَّتي يلتقي عليها الناس. وهذا يتطلَّب أن يكُون الفكر الدِّينيُّ أكثر إنسانيَّةً وعقلانيَّة، وأقرَبَ إلى هموم الإنسان وتطلُّعاته. ومِن أكبر الأديان ذات الصِّبغة العالميَّة، تَحضر أمامَنا البُوذيَّة والمسيحيَّة والإسلاميَّة. فهذه الأديان الثلاثة تجاوزَت في دعواتها المجموعات الإثنيَّة، والحدود الجغرافيّة الَّتي بدأتْ منها. وهنا، نجد بوذا يقول لأتباعه: "اذهبوا أيها الرُّهبان، وتجوَّلوا من أجل خير ورفاهيَة النَّاس". والمسيح يأمر تلاميذه قائلًا: "فاذهبوا وَتَلْمِذُوا جميعَ الأممِ" (متّى 28: 19). أمَّا القرآن الكريم، فقد أكَّد عالميَّة الرِّسالة الإسلاميَّة كما في قوله تعالى: {وما أرسلنَاكَ إلَّا كافَّةً للنَّاسِ بشيرًا ونذيرًا ولَٰكِنَّ أكْثرَ النَّاسِ لَا يعلَمُونَ} [سَبَأ: 28].

لقد مثَّل الإيمانُ باللَّه "ربِّ العالمين"، عقيدة راسخة في الأديان الإبراهيميَّة، حسب ما نجدها في الكتاب المقدَّس في وصف الله بأنَّه: "مَلِكَ الْعَالَمِينَ"، و"رَبَّ الْعَالَمِينَ الْعَظِيمَ" (المكابيِّين الثاني 7: 9 - 12: 15). وفي العهد الجديد، يؤكِّد بولس هذه العقيدة بقوله: "بالإِيمَانِ نفْهَمُ أنَّ العالمينَ أتْقنتْ بكلمةِ اللهِ" (رسالة بولس إلى العبرانيِّين 11: 3). ويصِف القرآنُ الله تعالى بأنَّه "ربّ العالَمين"، في أوَّل سورة منه: {الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ} [الفاتحة: 2]. وأيضًا يصفُهُ بأنَّه {خالقُ كلِّ شيءٍ} [الزُّمَر: 62]، و{ربُّ كلّ شيءٍ} [الأنعام: 164]. وهو أيضًا {مَلِكِ النَّاس، إلَٰه النَّاس} [النَّاس: 2-3].

مِن الطَّبيعيِّ أنْ تَرفض النُّظمُ القمعيَّة والعقول الأُحاديَّة الإيمانَ بربِّ "العالمين"، ويتبيَّن لنا ذلك في سؤال فرعون لموسى: {ومَا ربُّ العالمِينَ} [الشُّعَراء: 23]. فسؤال فرعون هذا، هو أقربُ إلى السُّؤال الاستنكاريِّ الَّذي يشكِّك في الإيمان بربِّ العالمين. وربَّما يعُود ذلك إلى أنَّ هذا الإيمان ينطوي على الاعتراف بمساواة النَّاس، وباشتراكهم في المرتبة الوجوديَّة الَّتي تَجمع بينهم في الخضوع لذات القوانين. وهو ما يتعارض ومصلحةَ المستبدِّين والطُّغاة، في جميع العصور والدُّهور.

يستمرُّ الجدل في مجتمعاتنا المعاصرة بين المحلِّيَّة والعالميَّة، سَواء في القضايا الدِّينيَّة والثَّقافية أم السِّياسيَّة والاقتصاديَّة. وهنا، يرى الكثيرون/ات أنَّ "عالميَّة الدِّين" بمعناها الواسع، يمكن أن تُضعف الشُّعور بخصوصيَّة المعتقدات الدِّينيَّة المحلِّيَّة، الَّتي تشكِّل جزءًا أساسيًّا من الهُويَّة القوميَّة والوطنيَّة في كثير من مجتمعاتنا الإنسانيَّة.

لا يمكن -برأيي- للعقل المُسْلم أن يصُوغ خطابًا عالميًّا، دون أن يميِّز بين الأحكام الدِّينيَّة العمليَّة المتمثِّلة بـ"الشَّريعة"، والمبادئ والقيم الكلِّيَّة الَّتي تتمثَّل بـ"أمّ الكِتاب". ولا يمكن لهذا الخطاب أن يتقدَّم، دون أن يتعرَّف بعُمق إلى التُّراث الإنسانيِّ العالميِّ، وما يتضمَّنه من مشترَكات واختلافات. وأيضًا لا يمكن لأي خطاب دينيِّ أن يَبلغ مرتبة العالميَّة، ما دام مُصرًّا على تسويغ التَّمييز والعدوان تحت ذرائع دينيَّة. ففِكرة الحقِّ الدِّينيِّ في الاستيلاء على الأرض، واستعمال القوَّة في نشر المعتقدات، لم تعُد تُقنع كثيرًا من أتباع الدِّين نفسه، فضلًا عن غيرهم.

يؤكِّد القرآن أنَّه لا يمكن لنا أن نفهم رسالة الإسلام، إلَّا من خلال التَّعرُّف إلى قصص الأمم السابقة وتجاربهم. ولعلَّ الفهم المعاصر لتلك الرِّسالة، يحفزنا على توسيع دائرة المعرفة والقراءة، لتشمل جميع التَّجارب الإنسانيَّة القديمة والحديثة، الَّتي كشفت عنها الدِّراسات الاجتماعيَّة المعاصرة. فالإيمان بـ"عالميَّة الدِّين" لا بدَّ وأن يقُوم على الإيمان بعالميَّة الحضارة الإنسانيَّة، وعلى بناء معرفةٍ موضوعيَّة بالتُّراث الإنسانيِّ، وأيضًا على العمل على تعميق الإحساس بالقيم الرُّوحيَّة والأخلاقيَّة المشترَكة، بين مختلف الأمم والشُّعوب.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2025
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق