الرجوع

أصنام رام الله.. ماذا بعد؟

الأحد

م ٢٠٢١/١٠/٢٤ |

هـ ١٤٤٣/٠٣/١٨

أثارت حادثة تحطيم رؤوس تماثيل الأسُود الشهيرة في دوَّار المنارة، وسط مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، والتي قام بها أخيرًا أحد الشبان مُتذرِّعًا بأنه لا يعبد الأصنام، استياءَ الناشطين/ات على مواقع التواصل الاجتماعي، نتيجة تحطيم ما سمَّوه الوجه الحضاري لمدينة رام الله، أو بعبارة فنية: "تُراثها"؛ إذ يُعَدُّ ميدان المنارة أشهر ميادين رام الله، ويتزيّن بخمسة تماثيل للأسود، ترمز إلى العائلة المؤسِّسة للمدينة.

وعلى الرغم من إعلان الشرطة الفلسطينية بعد اعتقال الشاب أنه: "قام بفعلته تحت تأثير اضطراب نفسيّ"، فإن الحادثة فجَّرت وابلًا من الأسئلة المقلقة حول بواعث نمو الفكر المتطرف وأسبابه داخل المجتمع الفلسطيني، وحجم التهديد الذي يشكله للأمن والاستقرار الداخلي والسلام المجتمعي، ومدى كفاءة وسائل الإعلام، ونجاعة مناهج التربية والتعليم.

على أية حال، لا أحد يملك تفسيرًا يقينيًّا لِما يدور فعلًا في داخلة هذا الشاب، ومن السهل القول: إنه فعَل ما فعَل تحت تأثير عرَضِيٍّ أو عامل نفسي. أما أهل رام الله، هذه المدينة التي تُمثل تنوعًا وتعددًا وفرادة في نسيجها الاجتماعي، فقد سيطر عليهم مزيج من الحسرة والقلق والخوف، يشير إلى أن ما يهدد أمنهم أكبر بكثير من فعل فردي، وأن ما حدث لا يتعلق بإرث تاريخيٍّ فقط، إنما يمسُّ منظومة كاملة لشعب يكاد التاريخ لا يعرف ألَمًا مرَّ به شعبٌ سواه.

يبدو أن الخوف من بروز الفكر المتطرف، يحتاج إلى تركيب صحيح لمتناقضات كثيرة. فالظروف المعيشية القاهرة التي يعانيها بعضهم، وانتشار مظاهر الفقر والبطالة، وتفشي مظاهر الفساد في الطبقتين السياسية والاقتصادية، في بلد يرزح تحت وطأة احتلال غاشم، قد تدفع العديد من الشباب إلى الإيمان بالفكر المتطرف، والميل إلى الانتقام حتى من عناصر التاريخ والتراث والجمال. 

ولا جرم أنَّ واقعًا كهذا قد يشكل تربة خصبة لظهور ردود فعل شاذة وغير متوقعة؛ ما قد يكون في المستقبل القريب مركز جاذبية للعصابات الظلامية، من أجل استقطاب جيوش اليائسين/ات المهمَّشين، للتمرد على ثوابت لم تكن راسخة بقدر كاف، لمنحهم إحساس الانتماء.

من هنا تبرز أهمية إرفاق التنمية الاقتصادية وسبل العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد، إلى جانب الأدوات الإعلامية والدراسية والقراءات المعتدلة للنصوص الدينية. فالرخاء الاقتصادي وحده لا يستطيع مواجهة تطرف يزرعه فهمٌ متطرف للدين. وفي المقابل، لن يكفي الفهم المعتدل إن كانت ظروف الحياة قاسية غير عادلة. تَلازُم الجانبين يبدو مهمًّا باعتباره حلًّا تكامليًّا في وجه التطرف والأفكار المشوهة، المبنية على فهم خاطئ للدين يغذيه بؤس الحياة. وأيضًا لا تبدو المقاربات الأمنية للتطرف سوى حلٍّ سيِّئٍ للأعراض، قد يضاعفها بدل حلِّها، ويتجاهل الأسباب الحقيقية للتطرف.  

وما ينبغي الاعتراف به هنا، أن معظم العناصر المتطرفة على مر الزمن قد تحدّرت من الفهم الخاطئ أو المجتزَأ للدين بشكل عام، وأن أحد جذور المشكلة يكمن في أساليب التلقين والحكايات الشفاهية التي ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد؛ ما جعل هذه العناصر أقرب ما تكون إلى الانغلاق وسوء الظن بالآخر وإقصاء رأيه، وعدم التردد في تصفية كل ما هو مخالف، عبْر الإيمان بفتاوى شخصية، والإخلاص لقراءات معيَّنة لأزمنة خلت. وذلك ما حدا بهم إلى ممارسة عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكريس لواقع يتسم بالجهل، ويحارب كل فكر يوقظ الوعي المجتمعي.

كتابة فرد واحد لا يمكن أن تُحدث تأثيرًا كبيرًا، أما كتابات جمْعٍ واعٍ، فهي التي قد تُحْدث التغيير المأمول، خصوصًا في مجالات التربية والتعليم، للوصول إلى أجيال تَحمل الراية وتنمو باتجاه الحداثة. وحادثة تحطيم أُسُود رام الله كريهة في جوهرها، وفاضحة للكثير من خفايا ثقافة مخبوءة، وقد تتحول في مناطق أخرى إلى ظاهرة تُضاف إلى أورام التناقضات، التي تنخر جسم الدولة الفلسطينية، وتُعطل حلم التحرير.

 

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2025
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق