الرجوع

المسؤولية الاجتماعية الدينية

الخميس

م ٢٠٢١/٠٣/٢٥ |

هـ ١٤٤٢/٠٨/١٢

شاهدتُ في أحد الأفلام الوثائقية القصيرة، مجموعة من رجال الدين المسلمين (السنة والشيعة) والمسيحين، يتكلمون عن أدوار مختلفة قاموا بها خلال العشرين عامًا الماضية في لبنان، ليس لها علاقة بالسياسة ولا بممارسة الشعائر الدينية، بل بالعمل الاجتماعي العام وخدمة الناس وتحسين معيشتهم، وهي خدمات تُقدَّم لجميع المواطنين واللاجئين والمقيمين على أرض لبنان، بدون أي تفرقة أو محاباة أو تمييز، مثل: تأمين دُور رعاية لذوي الاحتياجات الخاصة، وبيوت إيواء للأيتام، ومشاريع لمساعدة المحتاجين من كل الطوائف، ومراكز صحية. 

الفيلم يتحدث بالدور الاجتماعي لرجال الدين من كل الطوائف، الذين اجتمعوا واستخلصوا العبر من سنوات النزاع الدامية التي لم تَزِد البلاد إلا فقرًا وعنفًا، ولم يَخرج منها كاسب. دماءٌ يجب ألَّا تذهب هدرًا، بل يجب أن تكون ثمنًا للسلام ونبذ العنف وتحسين أحوال الناس. لا يمكن أن تستمر في مشاهدة الفيلم دون أن تدمع عيناك. فلقد وجدتَ ضالَّتك أخيرًا. الأديان التي وُجِّهَت إليها تهم التفرقة وتأجيج الصراعات، ها هي أمامك بمُمثِّليها بريئةٌ من كل تلك التهم، وها هو دورها الحقيقي هنا أمام المُشاهد في هذا الفيلم الوثائقي. دَورها هو العمل على الفرد والاهتمام به ورعايته، وحفظ الكرامة الإنسانية وإعمار الأرض. أما أعداء الأديان الحقيقيون -حسب ما يَظهرون في الفيلم-، فهم ليسوا أبناء الديانات أو الطوائف الأخرى، أو أصحاب المعتقدات والأفكار المختلفة، بل هُم الفقر والجهل والذل وفقدان الكرامة. 

لا نَسمع برجال الدين هؤلاء في الإعلام كثيرًا، فهم يعملون بصمت وسلام، لا يُحْدثون ضجة، ولا يتحالفون مع السياسيين من أجل مصالح خاصة أو محدودة، ولا يسعون للشهرة، وإنما جُلُّ اهتماماتهم هو الناس على الأرض، ومصالحهم واحتياجاتهم وحقوقهم الإنسانية. فيسعون لنشر تعاليم الله، تعاليم لا يمكن أن تتعارض مع حقوق الإنسان، بل تتوحد معها في هدفها الجامع، وهو حفظ الكرامة الإنسانية.

الأديان التي جعلت الرحمة عمودًا من أعمدة الإيمان، لا يمكن أن تكون أديانًا انتقائية. والانتقائية إن وُجدت، هي مِن صنع البشر، وتفسيرات البشر. كيف لا وهي تتنافى ومبدأَيِ العدالة والرحمة؟! والله الرحيم لا يمكن أن ينتقي فِرقًا من الناس ويُحابِيها في الرحمة، أو يستثني فِرقًا أخرى؛ أما فِعل الخير للجميع، فهو واجب، كما قال تعالى في القرآن الكريم: {فاستَبِقُوا الخَيْرات}. وقال الرسول: "الراحمون يَرحمُهم الرحمن، ارحَمُوا مَن في الأرض يَرحمْكُم مَن في السماء". وقال المسيح في إنجيل متّى: "طُوبَى لِلرُّحَماء، فإنهم يُرحَمون".

تَخيَّل أنك تسأل طفلًا جائعًا عن دينه قبل أن تساعده! لا يمكن أن تَسمح ديانة بهذا الفعل الشائن، وتحت أي تبرير، ولا يمكن أن يزدهر مجتمع وأفراده على هذه الشاكلة. المجتمعات التي تتطور ويرتفع شأنها مجتمعاتٌ متماسكة، يوجد أفرادها تحت مظلَّة مواطَنة راعية وحاضنة للتنوع، ينتمون إلى فئات ثقافية أو دينية. وكل هذه الفئات تنتمي إلى الوطن الأكبر الجامع، الذي يساوي بين المواطنين/ات أمام القضاء، وتَدعم جهاتُه التعليمية والإعلامية مبدأ الأخوَّة بين أبناء الوطن الواحد، ويعزِّز الخطابُ الديني على منابره مبادئ حقوق الإنسان والعيش المشترك بين المواطنين/ات.

تقترن البطولات التي درسنا عنها في مناهجنا بالعنف. ومصطلح الشجاعة كان حتى أزمان طويلة يعني القوة والقتال والسيف، لكن مناهجنا أغفلَت الاحتفال بنوع آخر من الشجاعة، هو شجاعة الاهتمام بالإنسان، وشجاعة ألا تسعى للمجد الشخصي، بل لنهضة المجتمعات، وشجاعة أن ترى الناس متساوين في الحقوق والواجبات، وشجاعة أن ترفض أي تمييز حتى ولو كان ضد مصلحتك الشخصية، وشجاعة التخطيط لسلام طويل الأمد، يحفظ الحقوق ويعطي الناس أمنهم في أوطانهم، وشجاعة المطالَبة بمواطَنة حاضنة للتنوع، يتشارك فيها كل أبناء الوطن. 

يواجه العالمُ اليوم تحديات كبرى صحية وغذائية ومناخية، أثبتت تأثيرها القوي في شل حياة الناس، ووضعت كل خلافات أخرى جانبًا. هذه التحديات أعادت ترتيب الأولويات، حيث جرى وضع صحة المجتمعات في القمة، وتَبيَّن أن العيش المشترك الذي أثبته التضامن على صعيد الأفراد والمجتمعات والعالم أجمع، هو السبيل إلى مواجهة التحديات المستقبلية. وهذا ما نحتاج إليه، تضامُنٌ عابر للانتماءات، يجعل فيه الإنسانُ محور الاهتمام والكرامة الإنسانية، مَرجِعًا لتقييم المواقف والأفكار.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2025
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق