شكلت مأساة غزة -ولا تزال- حدثًا تاريخيًّا، نظرًا إلى التحولات الفكرية والسياسية التي أحدثَتْها، من حيث تصحيح السرديات التاريخية حول القضية الفلسطينية، وتَواطُؤ جزء كبير من النظام السياسي العالمي ضد الحق الفلسطيني، وأيضًا من حيث ولادة معجزة حقيقية عجز الكثير في الغرب عن فهمها، جسَّدَها -ولا يزال- نساء وأطفال ورجال حوَّلوا الإيمان الديني إلى قوة جبَّارة للصمود والمقاومة، في وقت تراجعَت فيه كونيًّا القيمةُ التحريرية للأديان، بفِعل العلمنة وتَراجُع دور الأديان.
لكن ما أثار انتباهي، هو موقف التضامن الكبير للمؤمنين غير المسلمين مع عدالة القضية الفلسطينية، فضلًا عن الحركة الشبابية والطلابية العالمية، حيث كشفت هذه المواقف عن عودة روح التضامن الإنساني وتفكيك العدمية الرأسمالية.
عبَّر الكثير من المسيحيين في العالم عن رفضهم للإبادة الجماعية للفلسطينيين، وقامت الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في بيت لحم باستبدال شجرة عيد الميلاد، بمُجسَّم حزين للطفل يسوع المسيح، بين قطع إسمنتية ترمز إلى الدمار الذي حلَّ بغزَّة. أيضًا رفضت رئيسة أخوات الأم تريزا في غزة ترْكَ من ترعاهم من الأطفال المسلمين الجرحى قائلة: "سنحيا معًا ونموت معًا، ونبقى قريبين من يسوع، بالقرب من الكنائس".
وفي رسالة خاصة، أكدت جمعياتُ الكنائس الكاثوليكية في فرنسا أن المجتمعات الغربية لا تزال ترزح تحت ثقل عقدة الذنب، بسبب تاريخ معاداة اليهودية واضطهادها؛ ما يتجسد من خلال الامتناع من كل انتقاد لدولة إسرائيل. وأكدت هذه الكنائس أن دولة إسرائيل ليست هي اليهودية، ولا تُمثل الشعب اليهودي بحسب قول الكتاب المقدس، وأنه يمكن التنديد بما يقوم به الكيان الصهيوني من خلال القيم الأخلاقية اليهودية نفسها.
وكانت منظمات وحركات يهودية مناهِضة للصهيونية، حاضرة بقوة خلال التظاهرات التي هزت العالم كله، مُطالِبة بوقف الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزّة، مثل: حركة "أصوات يهوديّة من أجل السلام"، التي أكدت أنه: "حتمًا، سيسعى الأشخاص المضطهَدون في كلّ مكان إلى حريتهم، وسيحصلون عليها". أيضًا نشأت حركاتٌ يهودية شبابية في السنوات الأخيرة، تُناضل ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، وتُفكك السردية التاريخية واللاهوتية الصهيونية، معتبرة أن ما يحدث في غزة ليس إلا نتيجة سنوات من التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني.
لكن الأكثر دلالة، هو أنه في ذكرى اليوم العالمي لـ "المحرقة"، حذرت منظمات يهودية عالمية من كون المأساة الإنسانية التي يعيشها الغزاويون، قد تُشكل هولوكوستًا جديدًا، يضع حدًّا للتعاطف العالمي حول مأساة اليهود إبَّان الحرب العالمية، والتي قد تفقد أساسها الأخلاقي. لذا، وجَّه 54 يهوديًّا إيطاليًّا رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي عنوانها "ما قيمة الذاكرة إن لم تُوقف الموت في غزة والضفة؟!".
لكن من جانب آخر، لا تزال الصهيونية المسيحية تُروِّج عقيدة دينية، مفادها أن عودة اليهود إلى أرض الميعاد التي "أعطاهم" الله إياها، وتأسيس "إسرائيل الكبرى"، هُمَا شرط خلاص العالم، من خلال العودة الثانية للمسيح، واقتراب معركة هَرْمَجدون الكبرى، حيث تَهزم قوى الخير جحافل الشر. لذا، تُعتبر كل معارَضة للصهيونية، أنها معارضة لخطة الله نفسه. غيْر أن الكثير من الكاثوليك والبروتستانت يؤكدون أن هذه العقيدة تخالف تعاليم الكتاب المقدس، بل وأنها انحراف سياسي ولاهوتي يجعل "الشهادة المسيحية" بلا معنى، ويعيق إعلان الإيمان المسيحي في الشرق الأوسط، ويقوِّض إمكانيات إرساء السلام فيه.
لهذا، فإنني أعتقد أن قدرة الأديان على بناء مواقف متوافقة بشأن قضايا التحرر الإنساني، هي الشرط الحقيقي الذي يمنحها قيمتها الخلاصية الحقيقية، من خلال القدرة على التعاطف مع المقهورين، لأن ذلك يسمح ببناء أفق ومرجعية قيمية وأخلاقية مشتركة، بدونها يصبح لكل دين معياريته الأخلاقية داخل نسبوية مطلقة وعدمية، فتتهاوى كل إمكانية للحوار والعيش معًا، وتتحول الأديان إلى مجرد مؤسسات إيمانية منعزلة بعضها عن بعض، حتى ولو كانت متجاورة في الأمكنة.
أُؤْمن بأن القضيةَ الفلسطينية -كما القضايا الإنسانية الكبرى- مأساةٌ تُشكل بداهة أخلاقية، يمكن أن تنفلت من نسبية المواقف والتأويلات الدينية. لقد انتهت الحرب ربما، لكن يبدو أن مأساةً أكثر فجاعة، يجري الإعداد لها من خلال مشروع تهجير سكان غزة من أرضهم. لذا، يجب على المؤسسات الدينية، يهودية كانت أم مسيحية، أن تبقى على انحيازها إلى قضية الشعب الفلسطيني، لأنه انحياز إلى الإنسانية المضطهدة. ثم إنه المعيار الحقُّ للإيمان والخلاص، إذ لا حُبَّ لِلَّه إلا من خلال حب الآخرين، لأنه كما يقول التلمود نفسه: "الشيء الذي تبغضه، لا تُعامِلْ به صَحْبَك: هذا مجمل الناموس، وكلُّ ما تبقَّى شروح".
إن المعركة الفاصلة بين الخير والشر ليست معركة الأزمنة الأخيرة، ولا أبطالها كائنات خارقة، بل هي هذه المأساة التي تتشكل أمامنا، وأبطالها رجال ونساء وأطفال يضعون إيمان كل البشر أمام اختبار فاصل. والله أعلم.
مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.
إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.